عاطفة وطنية بريشة جمالية صاغها السلامي في لوحته الفنية

سماح بنت سعيد النعماني –

للوهلة الأولى لفت انتباهي نظرة الشاب صاحب الهوية العٌمانية وطريقة حمله للكتب والدفاتر المتراكمة فوق بعضها البعض على رأسه حتى لتبدو في هيئة مبانٍ تمتد الى السماء تتخللها طرقات وشوارع ممتلئة بالأضواء صاغها الفنان على هيئة خطوط مستقيمة
تتقاطع وتتداخل مع البنايات وتتلاشى مع الأفق البعيد.
يا ترى من هذا الشاب وماذا يحمل بداخله وما الذي قد يفكر فيه وهو يحمل تلك الكتب على رأسه؟ وما هذه النظرة هل هي نظرة تفاؤل وفرح أم نظرة تشاؤم وحزن أم هو ترقب لأمل بعيد يصعب الوصول إليه.
لربما رسم الفنان صورة لجانب من شخصيته، يحكي فيها قصة مستقبله، كيف يبنيه بالعلم والمعرفة ليواكب نهضة بلاده، ويكون العنصر الأهم في نهضتها، ومنها ينطلق ليعمرها ويضيء معالمها ويطور من بنيانها.
بالعلم نعمر الأوطان هكذا سمى الفنان العماني سالم السلامي لوحته، وصاغها ورسمها بكل ما في نفسه من عاطفة صادقة تجاه وطنه.
تمتد التجربة الفنية للفنان العُماني سالم السلامي لفترة زمنية ليست بقليلة، برزت خلالها مهاراته التي تنوعت بين استخدام الخامة اللونية كالألوان المائية والاكريليك والزيتي، وكذلك تنوع طرحه للمواضيع والتكوينات الفنية ورسمها بشكل واقعي. وقد تدرج رسمه للتكوينات بشكل مختلف ومميز عن بقية الفنانين حيث ركز اهتمامه بإدخال الأشكال الهندسية كالمربعات والمكعبات وغيرها في موضوعات رسمه لمشاهد من العمارة العمانية أو للحارات القديمة والمنازل المتراصة والمتلاصقة وإبراز الفتحات المتمثلة في النوافذ والأبواب، ووصوله لتكوينات جديدة خرجت عن المألوف تنبع من مخيلته. ولطالما كانت تنتابه الأحلام كثيرا منذ الصغر وها هو يحاول ترجمتها في لوحات فنية بشكل سريالي لا وجود لها في الحقيقة.
ففي لوحته بالعلم نعمر الأوطان نجده انطلق في بناء عمله معتمداً على المنظور من نقطتين من أجل خلق أبعاد عميقة للأشكال التي رسمها، ومن أهم العناصر التي رسمها الشاب بهيئة أكبر عما حوله من أشكال وعناصر مختلفة حيث إن أسلوب الفن السريالي يتيح المجال للفنان كي يطلق العنان لخياله وانفعالاته، وهذا الأسلوب ليس مقيداً بالنسب المتعارف عليها في أحجام وأشكال العناصر وإنما يعبر عما بداخل الفنان وما يتخيله. وبجانب ذلك رسم السلامي الكثير من الخطوط المستقيمة التي تتقاطع مع بعضها البعض بمستويات مختلفة من أعلى ومنتصف وأسفل العمل الفني وبألوان مختلفة ومتدرجه لتتلاشى في نهاية اللوحة وتختفي مع الخلفية. ونجد نقطة ارتكاز للعين في منتصف اللوحة والتي تركز على فكرة العمل والموضوع (العلم) ويغلب على اللوحة اللون الأحمر والأصفر وما بينهما من تدرج للون البرتقالي في خلفية العمل.
ومن الجلي وجود علاقة خطية بين الخطوط الأفقية والعمودية وعلاقة لونية للخلفية والتدرج اللوني من اللون الأحمر الغامق في أسفل العمل وتدرجه الى البرتقالي والأصفر في أعلى العمل الفني، وعلاقة لونية خطية في تناسق وانسجام أعطت توازن للمباني والعمارات أعلى الكتب من جهة وربط لعناصر العمل من جهة أخرى وتمكن الفنان من إعطاء إحساس لجماليات كل العناصر التي تناولها في عمله بذكاء تجلى في أسلوبه السريالي الجميل.
وقد عبر الفنان في لوحته عن العلم وأشار إليها برسمه للكتب بشكل متراكب فوق بعضها البعض، وجود شاب يرتدي الزي العماني ونظرة الأمل ترتسم على عينيه والتفاؤل الذي يملؤهُ التركيز على الأهداف والسعي وراء مستقبل باهر ومشرق بنور العلم، فبعد العلم والمعرفة يرتقي ليعمر وطنه بكل ما يمتلكه من قوى فيجتهد ويصنع ويعمل ويجاهد في سبيل مواكبة التطور الحضاري. وان مبالغته في رسم الشاب بحجم عملاق يريد الإشارة إلى أن الإنسان يضل عملاقا بفكره، وإلى بقاء أثره في هذه الحياة. وقد اصطبغ العمل بالألوان الصاخبة والنارية مع إيقاع لوني كإشارة إلى القوة والاندفاع نحو الأمل القادم للوطن. كما أن وجود الخطوط المتداخلة خلق نوعا من الحركة والاستمرارية دون توقف للوصول الى المستقبل.
في الختام يمكننا القول بأن هذه اللوحة هي خلاصة تجربة الفنان سالم السلامي بالرغم من حقيقة وجود أعمال فنية أخرى لها حظ وافر من الجمال والروعة ولكن قد يكون عمل (بالعلم نعمر الأوطان) هو أقرب الأعمال الفنية الى نفسه، فلها طابع خاص ورسالة مهمة لا يمكن إغفال قيمتها الفنية وإضافتها الجمالية.