نوافذ :مــاذا أضــاءت لنـا السـنون؟

بقلم: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أعمارنا الممتدة، منذ لحظة الميلاد، وإلى أن يغادر أحدنا هذه الحياة، هي الرصيد الفعلي لحياتنا التي نعيشها بكل تفاصيلها: الصغيرة والكبيرة، السعيدة منها، والمحزنة، الضيقة منها، والواسعة، الجدباء منها، والغنية، هي مساحة مشرعة من الصور المتضادة، تتقوّض فيها الأفعال، والأمنيات، والطموحات في شأن، وتنبني في شأن آخر، وكلما أتيح لهذا الإنسان الفرصة الأكبر لامتداد العمر-بفضل الله- كلما اتسعت وكبرت هذه الصور، وتشعبت، وأتاحت لصاحبها الفرص الكثيرة لتوظيف طاقاته، وإمكانياته، وهذه هي الحالة الغالبة لمفهوم هذا العمر، وبالتالي متى خرج عن هذا السياق، فإن هناك تصنيفا آخر لحقيقة هذا الإنسان الموكول إليه إعمار الأرض، والمساهمة في تشييد بناءاتها المختلفة.
وعلى الرغم من الصورة الغالبة لجميع الناس في هذه الحياة، وهي «الإقامة الزمنية» -إن تجوز التسمية- في الفترة المحصورة بين لحظة الميلاد، ولحظة النهاية، وعلى الرغم من وجود كل العوامل المشتركة بين الغالبية العظمى من الناس، إلا أنه يبقى هناك تمايز واضح في النتائج، وإن تقاربت الأعمال التي يؤديها الناس، ولذلك ترى أن في الأسرة الواحدة مجموعة الأبناء، يجمعها وسط أسري واحد، وأب واحد، وأم واحدة، ومجتمع واحد، ويعملون في بيئة عمل واحدة، وهذه كلها قواسم مشتركة، إلا أن آثار السنين على كل واحد تختلف من فرد إلى آخر، وقد يساورك العجب من هذا التباين في الحياة، وفي الصور التي تميز كل واحد عن الآخر، وليس ذلك فقط، فقد تجد الأصغر سنا، يحقق ما لا يحققه الأكبر سنا، وفي سنوات قصيرة، لا تكاد تصل نصف سن الأكبر، وفي النهاية تسلم الأمر لله الخالق، ففي كل ذلك حكمة بالغة، لا يجب أن تمر دون أن تترك لها أثرا في حياتنا، ليبقى اليقين دائما وفق الحكمة السامية: «ما أصابك، لم يكن ليخطئك، وما أخطأك، لم يكن ليصيبك».
والمهم في تقديري أكثر، هو الجانب المعنوي في حصاد السنين بالنسبة لكل فرد، وليس المادي فقط، مع أهميته، والحصاد المعنوي، هو الذي يتيح للفرد منا أن تكون عنده حصيلة تراكمية من الخبرات والمعارف، يستطيع من خلالها أن يفرق بين الخطأ والصواب، وبصورة خاصة في علاقته مع ربه من ناحية، وفي علاقته مع الآخرين من حوله، من ناحية ثانية، وبالتالي فمتى فقد هذه القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، وهو يملك هذا التراكم العمري من السنين، يكون بذلك خسر كل هذا العمر الذي اكتسبه منذ وعيه بالحياة، وإلى أن يودع آخر دقيقة من عمره.
لذلك تأسف؛ حقا؛ لأناس تجمع عندهم هذا العمر التراكمي الكبير، وهم لا يزالون يعيشون في مربعهم الأول، لا يزالون مقيدين أنفسهم في ضلالات الأفعال والأقوال، لا يتفوهون بالحكمة، ولا تنبئ أفعالهم عن عقلية متجذرة بالحكمة والخبرة والمعرفة، يمثل لهم اليوم كما كان الأمس، ولا يعون أن الغد هو نتيجة لفعل اليوم، تنسل الأيام والسنون من بين أيديهم، دون أن يكون لها أثر ملموس على واقعهم فقط، بغض النظر عن واقع الآخرين من حولهم، تعصف بهم رياح التغيير نحو الأسوأ، ومع ذلك لا يدرون إن كانوا هم على خطأ أو صواب، عقولهم تكاد مشلولة، لعدم توظيفها لتصويب مسارات حيواتهم الممتدة، وعندما يغالبك الفضول لتسألهم عن سر هذا التردي، تأتيك الإجابة أن ذلك هو قدرهم.
السنون؛ مسافة زمنية عالية القدر والقيمة، وأهميتها الكبرى أنها تنقلنا من مرحلة دنيا، إلى مرحلة أسمى، لا نستسلم من خلالها لتموضعات مهينة، نهين فيها أنفسنا، وقدراتنا، ونقزّم فيها طاقاتنا، وعقولنا، لذلك تبقى السنون مشروعا إنسانيا عالي القدر والقيمة، وجميعنا يعي تماما مغزى الحكمة: «اغتنم خمسا قبل خمس …» فتلك هي معركتنا مع سنوات العمر.