الخليلي: العمل على تعليم الناشئة وتربيتهم مما يجب أن تتضافر من أجله الجهود

البرامج الدعوية والتعليمية لها أهمية كبيرة في تربيتهم –
كتب: سيف بن سالم الفضيلي –

أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في جلسة حوارية بعنوان (الاستقامة والدعوة إليها بين التفريط والغلو) بجامع السلطان قابوس بسمائل أن البرامج الدعوية والتعليمية لها أهمية كبيرة في تربية الناشئة ودعا سماحته إلى أن تتظافر الجهود للعمل على تعليم الناشئة وتربيتهم. وأوضح سماحته أن طريق الاستقامة أمر ينبغي ألا يجعل للإنسان عنه لنفسه بدلا.
محذرا من أن يتنازل المسلمون عن بعض قضاياهم الأساسية الثابتة لأجل أن يتآلفوا الآخرين.. وإلى ما جاء في الحوار الذي أداره الدكتور خالد بن سالم السيابي.

المسلمون لا يمكن أن يتنازلوا عن بعض قضاياهم الأساسية الثابتة لأجل أن يتآلف الآخرون –

■ المحاضن التربوية والبرامج العلمية وسيلة عملية تطبيقية مباركة لتربية الناشئة وتعليمهم إضاءة حول أهمية هذه البرامج ونصيحتكم للقائمين عليها؟

إن الله سبحانه وتعالى ما ترك الناس سدى ولا خلقهم هملا وإنما خلق الإنسان ليقوم بواجبه في هذه الحياة إذ نيطت به تكاليف متنوعة، تكاليف فعلية وتركية بما يرى الله سبحانه وتعالى من الخير للعابد فكل ما هو خير دعاهم إليه وأمرهم به وحثهم على فعله وكل ما هو شر نهاهم عنه وحذرهم منه و أمرهم أن يتباعدوا عنه فلذلك على الإنسان أن يلتزم بمنهج الله وتلك هي الاستقامة في دين الله فالاستقامة ليست دعوى يدعيها الإنسان وإنما الاستقامة هي تحقيق الإيمان (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) فإذا آمن الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى هو ربه فإن هذا الإيمان يقتضي منه أن يستقيم بحسب منهج الله تعالى فلا يبغي بهذا المنهج بديلا في فعله وفي تركه في أخذه وفي عطائه في رضاه وفي غضبه في سلمه وفي حربه وفي جميع أحواله فإن التزام منهج الله سبحانه وتعالى هو الذي يفضي إلى خير الدنيا وخير الآخرة.
فالله سبحانه لا يعبد بالجهل وإنما يعبد بالعلم ولذلك كانت رسالات المرسلين الذين أرسلهم الله سبحانه لتبصير عباده بالحق تدور جميعا في فلك العلم فكل الناس متعبدون بأن يعلموا ويعملوا إذ لا يمكن أن يعملوا بدون علم.
فمن أجل هذا كانت هذه الأهمية الكبيرة في تنشئة هذه الأجيال المؤمنة الموصولة لحبل الله المتين التي تستمسك بالعروة الوثقى من كتاب لله ومن سنة رسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسلم.
هذا الاستمساك لا يمكن أن يتم لأي أحد إلا بعد المعرفة ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى عندما وجه الخطاب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليشرفه وليشرف به أمته بإخراجهم من الظلمات إلى النور وتبصيرهم من العمى وهدايتهم إلى الحق خاطبه بأول ما خاطبه بكلمة (اقرأ) التي تؤذن بأن عهد الأمية وأن كان عريقا في الأمة التي بعث فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا إنه يجب أن يضمحل ويجب أن يحل العلم محل تلك الأمية ولذلك كانت هذه الافتتاحية بكلمة (اقرأ) التي تؤذن بالقراءة والكتابة وتؤذن بأن المطلوب من الناس أن يتوارثوا العلم ويورثوه بحيث ينقلونه من جيل إلى جيل ومن مجتمع إلى مجتمع، من مكان إلى مكان آخر وهذا ما لا يتم إلا بتدوين هذا العلم فلذلك لم يقل الله تعالى: (اعلم، أو افهم، أو ادرك أو تبيّن أو اتضح، أو مثل هذه العبارات) وإنما كانت افتتاحية الوحي هي كلمة (اقرأ) لأجل الدلالة على هذا المعنى وقد تأكد ذلك بقوله (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) فكان الامتنان بالتعليم بالقلم والقلم هو الوسيلة التي خلدت العلم في الأجيال السابقة فبالقلم حفظ العلم بالقلم دوّن العلم ونشر وتناقلته الأيدي من مكان إلى مكان آخر.
فإذا تعليم هذه الأجيال الناهضة، هذا العلم الذي توارثه السلف أمة بعد أمة حتى وصل الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي هو معلّم البشرية جميعا أمر يجب أن تتضافر عليه الجهود فالحفاظ على هذه المراكز العلمية والحفاظ على تنشئة هذه الأجيال على هذه المعارف الربانية ووصلها بالله سبحانه وتعالى أمر فيه سلامة الدنيا وسعادة العقبى، فهذه هي سفينة النجاة، النجاة التي تمخر عباب هذه الحياة ليصل الإنسان إلى بر الأمان في منقلبه الى الله سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر وله الحكم والقهر (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم).

■ التعامل مع الفكر المختلف بين ثنائية التسامح والاعتصام وتقبل الآخر وبين الثبات على جذور الحق والاستقامة المنبثقة من أصول يقينيات الوحي كيف يوازن الدعاة والمصلحون بين الجانبين؟

الله سبحانه وتعالى عندما أرسل رسله أرسلهم بالحجة الدامغة، بحجة العقل في حوارهم مع الأمم فقد ذكرت طائفة منهم وما كان بينهم وبين أممهم من حوار وما وصلوا إليه من تعبير تلك الأمم عن الشكوك فيما جاءت به الرسل، فكان خطاب الرسل لهم (أفالله شك فاطر السموات والأرض) ومعنى ذلك أن الرسل أحالوا هذا الإنسان على دليل العقل في معرفته بربه فإن الإنسان يفتح ناظريه ليرى مشاهد هذا الكون المختلفة المتعددة المتنوعة وهي في اختلافها وتعددها وتنوعها منسجمة تمام الانسجام ومعنى ذلك أنها دالة على المبدئ المعيد العليم بكل شيء الذي يصرف كل حيّ، والذي بيده ملكوت كل شيء هو المقدم والمؤخر وهو الأول والآخر لا رادّ لأمره و لا معقب لحكمه تتجلى آياته في كل ذرة من ذرات الوجود إذ ما من ذرة إلا وهي كتاب حافل بآيات الله تعالى الدالة عليه.
هذا كله من الأشياء التي حاج بها الرسل أقوامهم، وقد كان هناك صراع ما بين الحق والباطل، ولكن مع هذا الصراع فإن أهل الحق وفي مقدمتهم رسل الله سبحانه وتعالى كانت تتسع صدورهم للحوار وقد دلل الله سبحانه وتعالى على منهج الحوار حتى مع الخصوم عندما قال: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم» ومعنى ذلك إن الناس ينبغي أن يؤخذوا بالحكمة وهو معنى قول الله تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ويقول الله سبحانه وتعالى في هذا «ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين» ثم قال «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم) فالكلمة الطيبة تجتذب البعيد وتقرّب النافر وتؤلفه وتمهد للقاء وإنما مع هذه كله لا بد من موقف صارم مع من يتنكر لحقيقة وهو يراها رأي العين ويرى أدلتها فهناك من يكابر في هذه الحقيقة علينا نحن أن نتمسك بالحق وأن نبصر به أما المساومة على المبادئ فلا يمكن المساومة عليها إذ لا يمكن أن يرضى أهل الحق بأنصاف الحلول ولذلك نجد الله تعالى عندما أراد المشركون أن يساوموا النبي -صلى الله عليه وسلم في أمر العبادة قطع عليهم السبيل فقال: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي الدين» لا يمكن أن يلتقي المسلمون مع الآخرين في أنصاف الحلول بحيث ينزل المسلمون عن بعض قضاياهم الأساسية الثابتة لأجل أن يتآلف الآخرون هذا لا يمكن وإنما يجب أن يكون الموقف موقفا صارما موقفا واضحا والموقف الواضح الصارم هو الذي يجعل أصحاب المبادئ الحقة يتمكنون من نشر هذه المبادئ أما إن رضوا بالمساومة ورضوا بالنزول عن بعض هذه المبادئ فإن ذلك مما يورثهم الفشل والعياذ بالله كما وقع لهذه الأمة الآن عندما رضيت بهذا الأمر نحن علينا أن ندرك الحقيقة وأن نرفع شعار هذه الحقيقة ونجاهر بها من غير أي مساومة من غير رضا بأنصاف الحلول.