فريضة الحج.. إنسانية بامتياز

معرفة وتعارف واعتراف –
د. ناصر بن علي الندابي –

الحج شعيرة مباركة مقدسة حوت العديد من القيم الإسلامية ففي كل خطوة يخطوها الحاج تضم بين ثناياها قيم عديدة كلها من أجل صقل هذه الشخصية المسلمة لتجعل منها إنسانا مختلفا، إنسانا مؤمن بربه حق الإيمان، إذ الحاج المخلص في حجه المتقبل منه يعود من حجه كيوم ولدته امه، مصداقا لقول الهادي المهتدي محمد صلى الله عليه وسلم: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». كل ذلك نظرا لما يتصف به هذا الركن المقدس من جوانب إصلاحية للنفس البشرية.

فما إن يعقد الحاج نيته بالذهاب إلى تلك العراص المباركة حتى يلزمه أن يقوم بأعمال كلها مدعاة لقبول حجه، وأولها إصلاح ما بينه وبين ربه، ثم ما بينه وبين الناس، فيقضي تلك الحقوق والواجبات، ليتخلص من كل التبعات التي علقت به في حق ربه وحق عباده. فيصلح بذلك كل ما أفسده في زمانه المنصرم. فتتجلى في هذه الخطوة قيمة إصلاح نفسه ومراجعة ذاته، ليخرج من بلده متصالحا مع نفسه ومع الآخرين، مستسمحا من الناس متصافيا معهم، فيخرج من قريته تودّعه القلوب قبل الأيادي.
وكما هو معلوم فإن الحج هو عبادة بدنية ومادية، فيظهر فيها قيمة الإنفاق فكل ما ينفقه الحاج في سبيل تيسير حجه هو إنفاق في سبيل الله، وهنا يعوّد نفسه على الإنفاق لوجه الله عز وجل فتعتاد النفس على السخاء.
وما إن تطأ قدمه راحلته حتى تبدأ معه قيمة أخرى متعلقة بالسفر وما يشوبه من مشاق ووعثاء، فتظهر حينها قيمة الصبر، فقد جاء في الأثر أن السفر قطعة من العذاب، بل ابدع بعضهم حين قال العذاب قطعة من السفر، كل ذلك دليل على ما يجده المسافر من متاعب ومشاق، فتتربى النفس على الإيثار وحب الخير للآخرين، والتعاون والتحمل والتجلّد.
ولكن هذه المشاق تهون عندما يتذكر الإنسان أنها لله وفي الله، وتقلّ حين يتخيّر الإنسان الرفقة الصالحة التي تعينه على الخير وتكون له عونا أينما حلّ وارتحل، فيزول عنه بعض ما يجد من مشاق السفر ومعاناته.
ويذكر في هذا الصدد وما يلاقيه الإنسان من شدة وعناء ما روي عن الإمام جابر بن زيد الأزدي أن زوجته آمنة خرجت إلى الحج، ولم يخرج هو تلك السنة، فلما رجعت سألها عن كريِّها الذي اكترته ليساعدها فذكرت سوء الصحبة، ولم تثن عليه بخير. هكذا كان تعامل مسؤول القافلة أو من كان في خدمتها، إلا أن الإمام جابر ضرب أروع الأمثلة في التعامل مع هذا الأمر، إذ خرج إليه وادخله داره، واشترى له ثوبين كساه بهما، ودفع له ما كان مع آمنة من قربة وأداة وغير ذلك، فقالت: أخبرتك عن سوء الصحبة، ففعلت ما أرى، فقال: أفنكافيه بمثل ما فعل فنكون مثله، لا بل نكافيه بالإساءة إحسانا وبالسوء خيرا.
ثم يظهر على نفسه الخشوع والطمأنينة كيف لا وهو طوال وقته في ذكر لله، فما إن يصعد مرتفعا حتى يكبر الله وما إن ينزل منخفضا حتى يسبح الله، فيبقى بين ذكر وتسبيح، وتعلّق بخالق الكون، «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ». فيجتمع للحاج صبران الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية، فيضاف إليه الصبر على ما يلاقيه في سفره، فيحصل له من الثواب ما الله به عليم إذ يقول رب الرحمة والعفو: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ».
ثم يتضاعف هذا الذكر عندما يبدأ الحاج بالتلبية: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» فهو حين يردد هذه الكلمات فإن يستجيب لنداء الرحمن الذي جاء على لسان نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام حين أمره بالنداء وتكفل رب البرية بإيصاله إلى الناس كافة يقول المولى عز وجل: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ».
وحين يعج بها الحاج فكأنه يخاطب رب العرش العظيم بقوله: إني مقيم على طاعتك وأمرك غير خارج عن ذلك، وملبيا لندائك القادم من فم نبيك وخليك إبراهيم عليه السلام، وهنا يكمن التسليم والخضوع في أبهى صوره وأعظم لحظاته.
ومن القيم التي يكتسبها الحاج بعد أن يرتدي ملابسه البيضاء محرما ممتثلا لأوامر خالقه، أن يتذكر قيمة الحياة التي يعيش فيها، فهو يتشبه بذلك الخارج من الدنيا لملاقاة ربه، إلا أنه يختلف عن ذلك الذي فاجأه الموت بأن هذا قد استعد لملاقاة ربه فقد تخلص من كل التبعات التي عليه، وقد ارتدى كفنه معلناً استسلامه للموت ومذكرا نفسه بأن مآله إليه، وما أجملها من لحظات، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
وحين يرى ضيوف الرحمن يتوافدون من كل حدب وصوب وكلهم على لباس واحد كلباسه، يتذكر الموقف العظيم ووقوف العباد بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فكل الحجاج في زي واحد مكشوفي الرؤوس من شتى الأجناس والأعراق والقبائل والبلدان جاءوا شعثا غبرا، في صعيد واحد خائفين وجلين مشفقين، فيبعث هذا الموقف في نفس الحاج قيمة الخوف من الله ومراقبته، والإخلاص في سائر أعماله.
وحين يؤدي مناسك العمرة، عمرة القدوم يتذكر في كل عمل من أعمالها عظمة الخالق الذي حفظ البيت الحرام على مر العصور، ويتذكر خطوات نبي الهدى والرحمة وهو يطوف بالبيت الحرام حين دخل مكة المكرمة فاتحا لها مع تلك الثلة المباركة من الصحابة الكرام، مطهرا لها من كل الأنجاس والأرجاس من بقايا الشكر والكفر، فيزيده هذا حبا للقاء الله والالتقاء بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأخيار البررة في جنان الخلد يوم الحساب.
وحين يقف الحاج مع إخوانه حجاج بيت الله الحرام في عراص عرفة في هذا الموقف العظيم يشعر بقيمة الأخوة الإسلامية والمساواة، فالكل على صعيد واحد وفي لباس واحد على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وألسنتهم لا فرق بين رئيس ولا مرؤوس ولا صغير ولا كبير ولا عربي ولا عجمي، ولا غني ولا فقير.
وفي كل المشاعر المباركة يستشعر الحاج بضرورة الوحدة بين المسلمين وإن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم فالرب واحد والغاية واحدة – هي مرضاته – والمصير واحد والنبي واحد والكتاب واحد والقبلة واحدة كل ذلك مدعاة للألفة والمحبة والخير والصلاح.
وهذه القيمة الأخيرة هي محور حديثنا فبعد أن طفنا سوية على تلك القيم التي يكتسبها المسلم في الحج تأتي في قمتها وعلى رأس هرمها قيمة مهمة تكاد تكون من أهم الحكم التي أرادها الله سبحانه من هذا الاجتماع الكبير الذي يضم كل فئات وشرائح العالم الإسلامي، إنه التعارف والمعرفة والاعتراف.
إننا بالتعارف نتعرف على بعضنا عن قرب، فتنجلي كل السحب والغشاوة التي تكدر صفو ما يجده بعض المسلمين على بعضهم بعضا نظرا لما قد يصلهم من معلومات خاطئة عنهم، فالحج فرصة لتصفية القلوب وإزالة كل ما علق بها من أقدار.
وحينما يجتمع الحجيج فإنهم يتبادلون المعرفة فيما بينهم، فالمسلم مكمل لأخيه المسلم، ولا يمكن أن يدعي أحد أنه قد ألم بكل المعارف وأنه قد بلغ غايتها وأمسك بزمامها، فبالمعرفة تعرف ما عندي من علوم وما بلغته من مكانته في المعرفة، فتعرف لما أقوم بهذا دون ذلك، ولم رجحت هذا القول على غيره، ولما أفسر مضمون تلك الآية بهذه الصورة ولم أتوجه إلى ذلكم التفسير المشهور وهكذا.
وحينما نملك زمام القيمة الأولى (التعارف) ثم نعززها بالقيمة الأخرى (المعرفة) فإن ذلك مدعاة إلى أن نصل إلى هدف أسمى وإلى القيمة المهمة الأخيرة وهي الاعتراف، فبعد أن يتعرف المسلم على أخيه المسلم من أين هو وكيف حاله وكيف ينظر إلى عالمه، ثم يتعرف على كل ما يرى وما يعتقد وما يفهم من علوم شرعية يجب عليه أن يتوج كل ذلك بالاعتراف، فتعترف بما عند الأخر وعلى الآخر أن يعترف بما عندك ، وإذا تمكنا من الوصول إلى هذا الأمر، وخرجنا من تلك العرصات المقدسة بالود والاحترام وتقبل الآخر على رغم اختلافه عنك فإننا نسير في الطريق الصحيح ونرسم للجيل القادم مستقبلا زاهرا مليئا بالخير والتفاؤل لنصل إلى الوحدة التي طالما نشدناها، فالوحدة لا تأتي بالكلام وإنما تأتي بالأفعال وهذه الأفعال هذه التي توصلنا إليه .
وفي الختام نقول: حين تتغلغل هذه القيم جميعها في قلب المسلم فإنه سيعود من الحج بصورة أخرى غير التي خرج بها، وسيكون لبنة صالحة آمنة مطمئنة تزرع الخير أينما تحل وترتحل وتنشر قيم الخير والصلاح في المجتمع والعالم ككل.

 

الاعتدال والوسطية –
هلال اللواتي –

تمتاز عبادة الحج بميزات خاصة لا تجد مثلها في عبادات أخرى من قبيل التجمع العالمي في محراب مكة المكرمة، الأمر الذي يظلل بظلاله على سائر الشؤون الفكرية والعقدية بل والاجتماعية الإنسانية، وتستوقفنا هذه العبادة على مجموعة من المبادئ والقيم إضافة إلى ما فيها من شعائر دينية تحمل معاني عالية المضامين لبناء الإنسان وحضارته، ولنقف على بعض هذه المضامين وباختصار إن شاء الله تعالى…

أولاً: تقبل الآخر. عندما يجتمع جميع المسلمين بكافة مذاهبهم ومشاربهم وأفكارهم في مكان واحد، ويعبدون رباً واحداً، ويقومون بإحياء شعائر الحج بكيفية مشتركة واحدة، ويبدأون الأعمال كلها في زمن واحد، وفي مكان واحد، وينتهون منها بزمن واحد، وبكيفية واحدة فإن هذا كله يحمل مجموعة من المطالب القيمة من قبيل، أن على الأمة أن تعي أن اختلافها في المذهب والمشرب والفكر ينبغي أن لا يشكل فيما بينهم عائقاً للتواصل والتفاهم والتعامل، فإن عبادة هكذا هو شعائرها ومناسكها وأنهم جميعهم يقومون بعمل مشترك واحد مع عدم إلغاء خصوصية كل مذهب وفكر يدعو إلى أن لا تشكل نفس تلكم الخصوصيات التي يمتازون بها بمذاهبهم وأفكارهم عائقاً يمنعهم من التلاقي والتفاهم خارج موسم الحج.
بل لربما يتأكد التعاون والأواصر والأخوة فيهم بينهم، وأن على الجميع أن يستفيد من هذه شعائر الحج في كافة شؤونهم الحياتية في مجتمعاتهم.
فإن أهم ما تحمله شعائر الحج ومناسكه أنها تثير فكر الإنسان المسلم، وتدعوه إلى التأمل والتفكر في رفع الموانع والحواجب عن الوحدة والتألف والتعايش الجميل فيما بينهم، مثلما الحج يلغي الخصوصيات الخاصة لكل مذهب ويجمع أتباهم تحت مظلة واحدة في عين عدم إلغائها مطلقاً فعلى المسلمين أن يوسعوا من هذه التعليمات لتشمل سائر حياتهم.
إن من إحدى مشكلاتنا التي نعانيها غياب وعي المشتركات والتركيز على المختلفات الأمر الذي يزيد من شرخ أواصر الأمة ووحدتها.
الاهتمام بالآخر: فإن تقبل الآخر يدعو إلى الاهتمام به وإلى وعدم التغاضي عن آلامه ومحنه واحتياجه، فعندما تشاهد الحجاج وهم يتوجهون إلى أداء مناسك الحج وبشكل مرتب ومنظم ويسقط هذا فيأخذ بيده الآخر، وإذا ما سقط الرداء ساعده الآخر، وإذا عطش أحدهم سقاه الآخر، وإذا ما أراد أحدهم الدخول في المطاف مع مجموع من الطائفين ليساعدوه على حفظ عدد طوافه فترى التعاون بينهم على قدم وساق، حتى تكاد تشعر أنك أمام أكبر أسرة في البشرية وهي تقوم بأداء شعائر الحج.
الأمر الذي ينبغي أن ينعكس بدوره على سائر شؤون الحياة الاجتماعية، فإن هذه الروح التي تظهر وتتجلى في الحج أن تبقى جذوتها حاضرة ومتقدة في سلوكيات كل حاج عندما يرجع إلى وطنه، وأن يمارس ما كان يمارسه من الخلق الرفيع مع سائر المسلمين على أرض مكة المكرمة.
ثانياً: الاعتراف. فتارة ننظر إلى الاعتراف بلحاظ الإنسان الآخر، وأخرى ننظر إليه بلحاظ المعاصي والذنوب أما الله تبارك وتعالى، فأما ما يتعلق بالاعتراف بالآخر فنقول: عندما يعيش الجميع تحت سقف مناسك الحج ويقومون بأداء تلكم العبادات العظيمة، مع التفاتهم على وجود خصوصيات يمتاز بها الآخرون، وأن هناك اختلافاً واضحاً في بعض الجزئيات فإن هذا العمل الجماعي يشعر أن هناك اعترافاً ضمنياً بالآخر ويكاد أن يكون صريحاً، ونقصد منه الاعتراف بواقعية ما عليه المذاهب الإسلامية اليوم، وينبغي أن يشكل هذا الاختلاف مانعاً من التآلف فيما بينهم، فهل وجدت الأب يتبرأ من أبنه وهو يحمل مدرسة أخرى على خلاف ما تربى عليه هو، فما دامت هناك مشتركات بين المسلمين فعليهم العمل على التأكيد عليها، وتقبل الجميع على ما هم عليه من العقيدة والفكر والسلوك ما دام هو ضمن النطاق الواحد.
وأما ما يتعلق بالاعتراف أمام الله تبارك وتعالى بالذنوب التي ارتكبناها فهذا يدعو إلى التأمل والتدبر بأن الله تبارك وتعالى يتقبل العبد إذا ما جاء إليه معترفاً على رغم ما يعلمه الله تعالى منه من الذنوب والمعاصي الجسيمة، الأمر الذي يقودنا إلى ما جاء في دعاء كميل إذ يقول فيه الإمام أمير المؤمنين علي -كرم الله وجهه الشريف: «يا سريع الرضا»، فإن الله تبارك وتعالى سريع الرضا، والإنسان مطالب أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، فعليه أن يكون أيضا سريع الرضا عن الذين يخطئون في حقه، وأن لا يكون متحاملاً عليه، أو حاقداً عليه، أو راغباً بالانتقام منه، بل عليه أن يتحلى بهذه الصفة الإلهية الجميلة وهي: سريع الرضا.
ثالثاً: التعارف. ذات الإحرام الذي يلبسه المحرم في الحج يدعو إلى الـتأمل والتدبر، فإن النفس الإنسانية مجبولة على الانجذاب إلى الشخص المقابل ما دام يجد هناك مشتركات تجمع بينهما، وهذا الانجذاب من خلال المشتركات يدفعه إلى التعارف، وهو بدوره يقود إلى معرفة الأحوال، والأسماء والجنسيات والآلام والمحن والمسرات.
وكما أن الإحرام يدفع الإنسان المسلم نفسياً إلى رفع الحواجز التي تمنع من التعارف على رغم وجود اختلاف في الجنسية واللون والشكل فإنها تربيه على أن لا يتلفت إلا إلى المشتركات وهي كثيرة بين المسلمين وبين البشر، وأن يجعلها هي المنطلق في تعارفه، وأن لا يضع الاختلاف هو من يقود مسيرته وعلاقاته الإنسان والدينية والإيمانية، فلا بد من إلغاء الاختلافات والتركيز على المشتركات في سبيل التعارف ولتتكامل دائرة هذه التعارفات بين المسلمين.
وهذا التعارف لا يقتصر على الإنسان فيما بينه وبين نوعه، بل إنه يتجاوز إلى التعارف بين الإنسان وبين كل ما يدخل في سبيل تحقيق مناسكه على أكمل وجه، من قبيل: الحجارة، والهدي، والشجر، والحيوانات، بل وحتى الحشرات، وطيب غير ذلك من منافيات الإحرام.
ومثل هذه الأحكام المتعلقة بغير الإنسان بذاته ترفع من منسوب الوعي لدى الإنسان المسلم وهو الشعور بما حوله من الكائنات والاستذكار بأنها أيضاً تملك نسبة من الشعور، وأن عليه أن يتعامل معها من منطق الفرق العمل الواحد، وأن لا يستهين بها أو يستضعفها لأنها كلها تتشارك في بناء منظومة عالم الطبيعة وبنظام متق جميل.
رابعاً: المعرفة. ويمكننا أن نقسم المعرفة التي يقدمها الحج للإنسان المسلم على نحوين رئيسيين وهما:
1- فلو لاحظنا أن كل ما ذكر في البين ينطلق من المعارف الصحيحة وهذه المعارف الصحيحة إذا ما وجدت في حياة الإنسان وتفاعلت معه لترقى العبد إلى حياة أفضل، ومن أهم معاجز القرآن الكريم هو المعرفة، فإن ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة الشريفة هو الوحيد الذي يحقق السعادة البشرية للإنسان ويحقق حضارته، وأن على الإنسان أن يعتمد المعارف الصحيحة التي تلامس الهدف للخلقة، وأن لا ينخدع بزخرف المدارس الفكرية والتي في الحقيقة لا تحمل سوى السموم التي تؤدي بالإنسان إلى قتل فكري وأخلاقي وروحي.
2- أن ما يقوم به الحاج من الأعمال خلال أيام قليلة، وما يتحمله من المشاق، ويتحمل كل هذا امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى يدعوه إلى التأمل في قابلياته واستعداداته وإمكانياته، فإن الحياة أيضاً فيها الكثير من المنغصات، وفيها الكثير من الجهد والمشاق، فعلى الإنسان أن يعرف جيداً أنه إذا ما قام من مناسك الحج في غضون أيام قلائل فإن تلكم القابليات لا تنسلخ منه، وهي موجودة معه في حياته الاجتماعية، فكما أنه تحمل مشاق الحج في سبيل الله فعليه أيضاً أن يتحمل مشاق الحياة في سبيل الله تعالى، فإن الأهداف واحدة وإن اختلف المضمار.
إن الحج رمز من أهم رموز الولاية الإلهية والبراءة من كل ما يبعد الإنسان عن التوحيد الخالص، التوحيد الذي لا يجامعه شرك لا الشرك الجلي ولا الشرك الخفي، وهذا الجانب من معارف التوحيد ليوقفنا على أن التوحيد لا يقتصر بحثه على الجانب العلمي، بل هو أساساً متميز بالجانب العملي، ومتميز بالحضور الدائم في كل مناح من مناحي الحياة، فكما أن الحج محراب العبادة الزماني والمكاني فإن الحياة كلها محراب التوحيد وزمان ومكان، ولهذا يرى بعض أولياء الله أن الحياة كلها محراب ينبغي على العبد أن يستحضر الرقابة الإلهية، وان لا يرتكب أي مناف من منافيات العبودية الحقة، ولا أي مناف من منافيات التوحيد.
ومن أبرز مظاهر التوحيد الوحدة بين المسلمين انطلاقاً من وحدة مناسك الحج والعبادات جميعاً، وأن على جميع المسلمين إدراك هذه الحقيقة الجميلة، لأنها حقاً تقدم للإنسان رؤية إنسانية صحيحة لا إفراط فيها ولا تفريط، بل تقوم على أساس مبدأ الاعتدال والعدال والوسطية والصراط المستقيم.