النظافة :عنوان الأمم المتقدمة

علي بن سعيد العلياني –

إذا أمعنا التفكير في القاسم بين الأمم والحضارات المتقدمة والتي كانت تنعم بالترف والثراء والعمران الواسع سنجد أنها النظافة فمهما اختلفت الطرق والأساليب وتفاوتت في المراتب الحضارية إلا أنها تُعنى بالمقام الأول بالنظافة. يقول المؤرخ الفرنسي دريبار يخت «الأوروبيون مدينون للعرب بالحصول على أسباب الرفاهية في حياتنا العامة فالمسلمون علمونا كيف نحافظ على نظافة أجسادنا فإنهم كانوا عكس الأوروبيين الذين لا يغيرون ثيابهم إلا بعد أن تتسخ وتفوح منها روائح كريهة فقد بدأنا نقلدهم في خلع ثيابنا وغسلها وكان المسلمون يلبسون الملابس النظيفة الزاهية حتى أن بعضهم كان يزينها بالأحجار الكريمة كالزمرد والياقوت والمرجان هذا عندما كانت الحضارة الإسلامية في أوج عزتها وقوتها وعنفوان انتشارها وعندما كانوا يعلمون الأمم الأخرى أصول الحضارات كانوا يتعلمون منهم النظافة العامة والخاصة، ونجد أن ساندور ماراي في كتابه اعترافات بورجوازي يستغرب كيف أن الكثيرين مع بداية القرن العشرين وعندما بدأت العادات الأوروبية تتغير نحو علاقات أكثر ودا مع الماء لم يكونوا يصدقون أن الأوروبي كان وسخا إلى درجة مقززة باستثناء حقب معينة من التاريخ الروماني وباستثناء العادات الشرقية في الاستحمام حيث انتشرت الحمامات والعطور بشكل كبير في الشرق والبلدان الإسلامية بينما ظل الإنسان الأوروبي يعاني من خوف مرض من الماء».
فالحضارة الإسلامية كانت نقطة مضيئة بين حضارات كثيرة وهذا التميز كان عن طريق التمتع بنظافة عالية يشار إليها بالبنان ومما يذكر عن أوروبا التي كانت تجتاحها بين الفينة والأخرى أمراض معدية فتاكة تقضي على الملايين وذلك بسبب عدم العناية بالنظافة بل كانت هذه النقطة أي تراكم الأوساخ والنفايات والفضلات في الشوارع والأزقة والأحياء مما يوجد للمرض ساحة تزيد من انتشاره وفتكه فالأوساخ بيئة خصبة لنشوء الأوبئة والأمراض ولقد ساعد انتشار المحافظة على النظافة في الحضارة الإسلامية على أن تبقى صامدة مزدهرة قوية لعدة قرون أمام أعتى التيارات فحضارة الأندلس استمرت ثمانية قرون وقس على ذلك كل الأمم المتقدمة البعيدة كل البعد عن ويلات الأمراض المعدية أو آفات عدم الاعتناء بالنظافة على كل المستويات.
وعندما نتكلم عن ملك سليمان عليه السلام عندما طلب من ربه أن يهبه ملكا عظيما لدرجة أنه لا يصله أحد إلى أن تقوم الساعة يعبر قول الله تعالى (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير) يا للروعة زجاج شفاف جميل تمر من تحته المياه لدرجة أن بلقيس حاكمة اليمن وبالرغم من أنها كانت تتمتع بمزايا كثيرة في مملكتها يعبر عنها قول الحق (وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) إلا أنها من شدة صفاء الزجاج ولمعانه ونقائه من كل الأوساخ تصورته ماء صافيا زلالا وكشفت عن ساقيها للاستعداد لخوض لجة الماء فكان الجواب على لسان سليمان عليه السلام (إنه صرح ممرد من قوارير) هكذا الحضارات العظيمة تتمتع بالنظافة المطلقة فكما أنها مصدر السلامة فهي مصدر السعادة فهي سلامة من الأمراض والآفات وسعادة لأنها تبهج النفس وتقر العين وتبعث على الراحة والطمأنينة بدل التقزز والنفور.
لقد أبدع المسلمون أيما إبداع فعندما أراد السلطان عضد الدولة أن يبني مستشفى جديدا حديثا في مدينة بغداد أوكل إلى الطبيب ذائع الصيت الرازي بالبحث عن أفضل مكان لبناء المستشفى فأوصى الرازي خدمه بتعليق قطع كبيرة من اللحم من مختلف الأنواع في كل أطراف بغداد ثم انتظر مدة أربع وعشرين ساعة وانتقى المكان الذي ظل فيه اللحم في أحسن حالة أو قل في أقلها سوءا (كتاب خالدون، فهد العيد دار كلمات طبعة 2018) لذلك ظلت بغداد قبلة حضارية وعلمية واقتصادية قرونا كثيرة لعناية أهلها بالنظافة والأناقة والمظهر الحسن لذلك نقول إن النظافة هي عنوان الأمم المتقدمة لأنها تحافظ على الشخص من أن يحيطه أو يؤذيه أو يؤثر على عطائه أو استقراره أي مؤثر كان بل إنها تساعد على المحافظة على تركيزه الذهني وصفائه القلبي مما يجعله يتفرغ تماما للإنجاز والعطاء بلا حدود حيث نجد دائما أن التخلص من القيود يؤدي – لا شك – إلى العطاء المتجدد المتميز المستمر القائم على شغف الحياة الجميلة، فالجمال دائما يولد الجمال.
علامة فارقة متميزة لأنها أساسا بوجودها تصنع الفرق دائما، فشتان بين حضارة تتخذ من النظافة سلوكا وأسلوب حياة نمشي عليه باستمرار وحضارة على النقيض لا تعتني ولا تهتم بأمر النظافة وتعتبره ضربا من ضروب الترف الزائد فالأولى تبني مجتمعا قويا قادرا على إدارة السفينة إلى أن تصل إلى بر الأمان والثانية ستظل تتخبط في وسط أمواج عاتية من الجهل والتخلف والمرض والفقر والآلام المبرحة.