استحضار «فنون المرأة» من ذاكرة الموروث العماني

د. عزة القصابي –

تُعد الفنون الشعبية ظاهرة إنسانية عامة؛ إذ تمتلك جميع شعوب العالم تراثا ثقافيا شعبيا، يسهم في تشكيل مفردات هويتها وحضارتها ويميزها عن الآخر.
وبالمثل نجد الفنون الشعبية العمانية حاضرة في الكثير من المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية. لقد استلهم الإنسان العماني القديم فنونه من الطبيعة والحياة بتفاصيلها حيث الممارسات الاجتماعية، الأفراح والأحزان، وتمجيد الانتصارات، ومواسم الصيد والزراعة والرعي والرحيل والاستقرار.
ومنذ القدم، شاركت المرأة العمانية الرجل العمل في كافة مناشط الحياة، وأداء الطقوس الفنية الشعبية في البادية والحضر والريف، وسوف نتوقف عند بعض الفنون النسائية اللصيقة بفكر وعادات وتقاليد المجتمع العماني. وفي طليعة هذه الفنون فن (الدان دان)، وهو من أنماط الموسيقى التقليدية النسائية الأكثر شعبية في سلطنة عمان، تؤديه النسوة في المناسبات السارة كالأعراس والاحتفالات الاجتماعية، ويقترن هذا الفن بشكل كبير بعادات الزواج العماني التقليدية قديما، ويطلق على الأغاني فيه: «غنا العرس» أو «الغنا»، والذي يقدم في شلات الشعر بأسلوب يبهج الحضور.
ومن الفنون ذات الصلة بالمرأة البدوية فن (مغايظ)، الذي يقدم أيضا في المناسبات الاجتماعية السعيدة، الأعراس، والأعياد، وتظهر النساء في هذا الفن واقفات في صفين متقابلين أو نصف دائرة، بدون عزف الآلات الموسيقية أو الإيقاعية، ويكتفى بالتصفيق والترديد.
ومن الفنون النسائية التي تغنى في الأفراح فن (الوقيع) من محافظة ظفار، وهو فن غناء ولعب تؤديه النسوة، ويمكن أن يشارك الرجال في قرع الطبول.
غالبا ما تظهر النساء جالسات على هيئة كتلة واحدة إلى جوار بعضهن بعضا، تتوسطهن امرأة تغني بصوت عالٍ بصحبة ضاربي الإيقاع، وقد ترافقها امرأة أخرى تتبادل معها الغناء… ويصاحب الأداء التصفيق وإيقاع الطبول والتشجيع، كما يترك المجال للمتفرجين على هذا الفن الشعبي ليتفاعلوا معه.
ومن الفنون النسائية فن (الويليه) تؤديه امرأة عمانية في بعض ولايات الظاهرة والداخلية، مع اختلاف الكلمات المغناة، والحركات الأدائية الراقصة، على سبيل المثال في (وليه منح) تؤديه مجموعة نساء بدون طبول أو إيقاع، وتصطف النساء على شكل دوائر تصل إلى أربع أو خمس دوائر، وتتحرك أجساد النساء كوحدة واحدة في تناسق تام، وقد تغير المجموعات مكانها بخطوات رشيقة ومحسوبة أثناء الأداء والحركة والغناء.
وهناك فنون نسائية تحتفل بموسمي الزرع والحصاد، مثل: فن (زفة الكيذا) الذي تؤديه الفتيات عند زراعة زهرة أو نبات (الكيذا)، وذلك ضمن طقس احتفالي يشبه زفة العروس؛ إذ تظهر النساء وهن يرتدين الزي الشعبي ذات الألوان الزاهية، ويحتفلن بزراعة هذه الزهرة وهن يزغردن ويشعلن البخور.
وفي النهاية تغرس النساء هذه النبتة، ويصبن عليها ماء الورد، ورغم رمزية هذا الطقس، فإنه يشكل ملمحا اجتماعيا يدل على مدى ارتباط المرأة العمانية بالحقل والزراعة؛ إذ تكون حاضرة في المواسم التي يحتفى فيها بالزرع والزهور.
ومن الفنون النسائية ذات الصلة بالطبيعة والحصاد فن (الوقيع) الذي تمارسه النساء في محافظة ظفار أثناء موسم الخريف، وتظهر النساء وهن يرتدين الزي التقليدي الظفاري، تتوسطهن امرأة، في حين يقوم الرجال بقرع الطبول.
وهناك بعض الفنون التي ترددها جداتنا وأمهاتنا؛ مثل (فن تروري) الذي تقوله الأم لصغيرها لكي ينام، وهي تردد أبياتا شعرية خاصة بهذا الفن.
ومن الفنون النسائية التي تقترن باللعب والتسلية فن (غناء المريحانة)، وهو فن غنائي تؤديه مجموعة من الفتيات يتبادلن الغناء في الأعياد وأوقات الفراغ، وقد تغنيه المرأة وهي تهز الأرجوحة لطفلها لتسعده وتفرحه، على ألحان الغناء الجميل والمشوق الذي يتسم بنبرة الحنين والشوق.
ومن الفنون الجميلة التي تقترن باللعب وتمضية الوقت فن (ليالي الجمرية)، وهو لون غنائي شعبي تمارسه الفتيات في الفضاء العام، وسابقا كانت البنات تؤديه تحت ضوء القمر؛ لذا سمي هذا الفن بـ (ليالي الجمرية) وتنقسم الفتيات في هذا الفن إلى قسمين، يختلفان في الأداء الحركي الراقص، وفي الجزء الأول تنقسم الفتيات إلى صفين يظهرن على شكل مستقيم، بعد ذلك تتقدم الفتيات خطوتين للأمام، ثم يقفن للحظات، لتلقي الرد الغنائي من الصف المقابل.
رغم ما ذكرناها عن الفنون النسائية، فإن هناك كما كبيرا من الفنون الشعبية المترسخة في ذاكرة المرأة العمانية، وتحتاج من ينقب عنها ويظهرها للوجود قبل أن تندثر!… مع ضرورة النظر في إمكانية تطويرها لتتلاءم مع روح العصر، وتكمن أهمية هذه الفنون في ضوء ارتباطها الوثيق بحياة الشعوب والعادات والتقاليد في المجتمعات.