الغاز الطبيعي والمعادلات الإقليمية الجديدة

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

اجتماع وزراء الطاقة في كل من مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا مؤخرا بالقاهرة، وتحت مظلة منتدى شرق المتوسط للغاز، حدث يستحق التوقف عنده لأنه يدشن طريقة جديدة في إدارة الملفات الاقتصادية ذات الأبعاد السياسية والاستراتيجية في المنطقة. طريقة اعقد من أن تسمى عملية أو براجماتية بحكم طبيعة الأعضاء وأيضا بحكم أهمية المادة التي تجمعهم وهي الوقود النظيف المسمى الغاز الطبيعي. لم أدرك مدى اهتمام الولايات المتحدة بالمنتدى إلا في أبريل الماضي خلال رحلة الى واشنطن مع أعضاء بعثة الغرفة الأمريكية للتجارة لطرق الأبواب، فقد تحدث احد مساعدي وزير الخارجية الأمريكي عنه في حفل إفطار بما يفيد أهميته الكبيرة لأمريكا ودول المنطقة. وبعد الظهر وفي ذات اليوم كان للصحفيين المصريين المرافقين لبعثة طرق الأبواب لقاء مع مدير مكتب مصر في الخارجية الأمريكية فقال: إن المنتدى شكل نقلة لم تكن متوقعة وان اجتماع وزراء الطاقة في مصر وبينهم الفلسطيني والإسرائيلي لهو أمر مشجع وجديد. أضاف أن أمريكا تولي ذلك المحفل عناية كبرى وترى انه يمكن عمل الكثير من خلاله لمصلحة الدول المشتركة فيه ولاستقرار وازدهار المنقطة بشكل عام . كان المنتدى قد نشأ كفكرة خلال قمة جمعت رؤساء مصر وقبرص واليونان في 2018 ثم تم تدشينه في يناير 2019، وقد انعقد اجتماع المنتدى الثاني منذ أيام بين الإسكندرية والقاهرة لوضع خطة عمله وتفاصيل أجندته، وشارك فيه وزير الطاقة الأمريكي ريك بيري الذى يزور مصر لأول مرة ومعه نائبه، كما حضره ممثلون للاتحاد الأوربي والبنك الدولي وفرنسا. بهذا كانت أبعاد الصورة قد زادت اتضاحا. صحيح أن لكل بلد هدف من وراء عضويته الى جانب الأهداف العامة وهي تطوير موارد الغاز في المنطقة لمصلحة الجميع والتعاون في مجالات تبادل الخبرات والبحث والاستكشاف والاستغلال والاختبارات والنقل والتسييل وتوازن الأسواق الخ، لكن يبقى أيضا أن أمريكا مثلا تعنى به لان الغاز المصدر من الدول المنتجة الثلاث مصر وإسرائيل وقبرص يمكن أن ينافس الغاز الروسي الى أوربا أو على الأقل يحد من المخاطر السياسية على أوروبا من جراء الارتهان بالغاز الروسي، وتريد إسرائيل مزيدا من التطبيع مع كل المنطقة، وتريد فلسطين – التي حرصت مصر على إشراكها – أن تحمي نصيبها من الغاز قبالة غزة وتؤكد حقوقها في وجود إسرائيل وأمريكا ( الأخيرة مراقب فقط ) كما أن قبرص واليونان تريدان الاستناد الى قوة مصر العسكرية وزخمها السكاني في مواجهة تهديدات انقرة المستمرة. وجود الأردن – وأيضا بتشجيع مصري- له دلالة أن خط الغاز العربي الذي يمر بها ويمكن أن يعمل في أي وقت مع العراق وكذا لاحقا سوريا ولبنان يبقى أساسيا.
هناك عوامل طبيعية جعلت القاهرة هي قائدة المنتدى وبقبول الجميع ألا وهي أن مصر هي الأكثر إنتاجا للغاز حاليا والأعلى جاهزية ولديها معملا إسالة لا نظير لهما في المنطقة بل وفي دول غنية وكبيرة. لكن مصر أيضا تريد أن يدعم المنتدى رؤيتها لأمنها القومى والتي منها حفظ سلامة وسيادة ليبيا وكبح الإرهاب فيها. وجود إيطاليا يعين على ذلك. المهم أن إيطاليا موجودة أيضا هنا كأكبر زبون لغاز تلك الدول الى جانب قربها من كل من قبرص واليونان وكونها اكبر شريك تجارى داخل الاتحاد الأوروبي مع مصر. لذلك رأيت أن انقل عن موقع إيطالي هو «ناتشيور المنتجاز» رؤيته للمنتدى كعين مستقلة إذ كتب يقول: منتدى شرق المتوسط يهدف الى تسهيل إنشاء سوق غاز إقليمية في شرق البحر المتوسط، وتعميق التعاون والحوار الاستراتيجي بين البلدان المعنية، وتعزيز التعاون من اجل تقوية المشاريع المشتركة للبنية التحتية لنقل الغاز في المنطقة واستغلال رواسب المنطقة على أساس تجاري توسيع التعاون بين الدول المنتجة وبلدان العبور والمستهلكين. كل هذا هو منتدى شرق البحر المتوسط للغاز الذي مقره القاهرة، ولكن أيضًا وقبل كل شيء إتاحة «تسييل احتياطيات الغاز في شرق المتوسط» و استخدام البنى التحتية الحالية (المصرية بخاصة كما اسلفت – الكاتب) وبناء أخرى جديدة.
ولكن ما هو أصل المنتدى؟ يجيب الموقع : منذ عام 2009، أجرت إسرائيل ومصر وقبرص سلسلة من الاكتشافات واسعة النطاق في حوض ليفانتي، حيث قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في عام 2010 احتياطياتها بـ 3.5 تريليون متر مكعب من الغاز و 1.7 مليار برميل من النفط تحت قاع البحر. اوجدت النتائج، بالطبع، إمكانية التكامل الإقليمي لأسواق الطاقة وتعزيز إمكانات إمدادات الغاز في أوروبا. بعد اكتشاف حقل « ظهر» الضخم قبالة السواحل المصرية، ووجود نتائج مماثلة من الحقول البحرية الإسرائيلية في تامار وليفيثان
وجاء «الاكتشاف الواعد» من قبل إيني وتوتال قبالة ساحل قبرص والذي أعطى دفعة جديدة لحماس الجزيرة بعد نوع من خيبات الأمل التي عانى منها حقل أفروديت. ومن هنا برز سباق/‏‏‏ نزاع الغاز في بلدان أخرى في المنطقة أولها تركيا، التي لديها سلسلة من النزاعات الإقليمية مع قبرص نفسها.
ويؤكد الموقع الإيطالي أهمية البنية التحتية في هذا المجال ويشرح الخطط المعدة لذلك في مجال أنابيب نقل الغاز. انتهى.
بالفعل سيتم بناء خط أنابيب ينقل الغاز القبرصي الى معملي الإسالة بمصر وسيدعم تمويله الاتحاد الأوربي كما ستقوم إسرائيل بنقل غازها الى معملي مصر بطرق مختلفة ومنها الى أوروبا وهناك تفكير – لا نعرف هل سيرى النور أم لا فدونه عوائق فنية صعبة – في اقامة خط يربط إسرائيل وقبرص بأوروبا.
من جانب آخر كان وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس قد اعلن على هامش المؤتمر الوزاري لمنتدى غاز شرق المتوسط بدء إسرائيل تصدير الغاز الطبيعي من حقلي « تمار » و« ليفايثان» إلى مصر خلال شهر نوفمبر المقبل. كانت شركتا ديليك للحفر الإسرائيلية ونوبل إنرجي الشريكتان في حقلي تمار وليفايثان وقعتا في فبراير 2018 مع شركة « دولفينوس» القابضة المصرية (قطاع خاص) عقد توريد الغاز الطبيعي إلى مصر، وكان من المنتظر بدء التصدير في يونيو الماضي، لكن جرى التأجيل بسبب ضعف الطاقة الاستيعابية لشبكة خطوط الأنابيب داخل إسرائيل كما قيل. ومن المخطط وصول حجم تصدير الغاز من الشركتين لمصر إلى 7 مليارات متر مكعب بحلول عام 2022 .
وأما قبرص فتعتزم التصدير لمصانع إسالة الغاز المصرية بحلول 2024/‏‏‏2025 حيث صرح وزير الطاقة القبرصي يورجوس لاكتوبريس خلال المؤتمر الوزاري أن بلاده تعتزم تصدير الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب إلى محطات الإسالة المصرية بهدف إعادة تصديره، وذلك بمجرد الانتهاء من تنمية حقل «أفروديت» القبرصي.
وبصفة عامة اتفق الوزراء المؤسسون أيضا على إنشاء اللجنة الاستشارية لصناعة الغاز من أجل السماح بمشاركة القطاع الخاص، وإبراز أهمية دورها في المساهمة في أنشطة المنتدى.
وقد تم توقيع مذكرة تفاهم مصرية أمريكية لتعزيز التعاون الثنائي بقطاع الطاقة وقعها كل من وزير البترول والثروة المعدنية طارق الملا ووزير الطاقة الأمريكي ريك بيري بهدف عقد حوار استراتيجي سنوي يناقش قضايا الطاقة بما فيها الطاقة المتجددة. معروف ان مصر وامريكا تتحاوران على المستوى الاستراتيجي منذ سنوات ما يدل على أن ملف الطاقة سيأخذ توجها موازيا وحده بما يشي بأهميته للطرفين .