عطر : مرحلة الكهولة

رنـــــدة صـــادق –
randanw@hotmail.com –

جميلة تلك الفوضى غير الواعية التي يمر بها الإنسان مع تفتح سنوات عمره وتوسع عملية اكتشافه للحياة،وبدأ صراعه مع محيطه الذي يرفض قوانينه ونظمه، ويشعر برغبة جامحة في استفزازه.
انها المرحلة الأجمل، رغم كمية المعاناة التي يعيشها الشاب وتضخيم الأمور لدرجة إيهام نفسه ان الجميع يضطهده ويرغب بالنيل من أحلامه وذكائه وتحطيم طموحه .
انها مرحلة الحب الأول واكتشاف مسارات المشاعر في عروق لا تنبض فقط بل تتفجر،الإستعداد لشن أعظم الحروب الدنكشوتية وعيش القصص البهلوانية،انها الفترة الأكثر تهورا وتحديا وضياعا، ذلك الضياع اللذيذ الذي يترك خدرا خفيفا في تفاصيل الحلم .
كل ما هو جميل وغني بالأمور الغريبة يرتبط بهذه المرحلة،وهي تشكل معظم الأحاسيس والمشاعر،وتُحرك توجهات القلب والعقل، هي بالنسبة للشاب الحرب لأنه يرى العالم مخطئا في تقديره وتقييم قدراته، وان المجتمع والأهل لا يجيدان التعامل معه، وبطبيعة الحال هو لا يرغب في ارشاد أو توجيه، فهو يعرف أكثر من الجميع وغالبا قد يعيش صراعا معقدا مع أقرب الناس اليه فيسيء لمن يحبونه ويسيء لنفسه .
وفي هذه الفترة هو لا يفهم كثيرا مجموعة القيود الاجتماعية المتولدة من الموروثات والدين والتقاليد، ويظن أنها أمور بالية لا يجب أن تستمر.
في داخله بركان جاهز لينفجر ورغبة دائمة في كسر كل التابوات الموجودة .
مرحلة الشباب المبكر،تعني الأحلام والحب والنبض المجنون والنزعة للحرية والاستقلالية، لذا هي مرحلة الطيش الذي يثير الإبتسامة في ذاكرتنا عندما نتقدم في العمر.
انها حالة نتقبلها من الشباب ونحاول اليوم التعامل معها بمنطق الحداثة، كون الوعي العام بات أفضل بكثير والتوجهات التربوية باتت علمية أكثر، لأننا تخطينا بنسبة لا بأس بها الطرق التقليدية في التربية، ولكن هذه الفوضى غريبة عند الشيب والذي دخل مرحلة الكهولة بخطى ثابتة فالعمر لا يرجع الى الوراء انه مسار يسير بقوة نحو خط النهاية المرسوم والمحدد.
حب الحياة حق مكفول والحرية الشخصية أمر يجب أن يٌحترم ومع هذا ما الفرق بين الشاب والشيب؟
الفرق ببساطة حجم المسؤولية،وما يترتب من التزام باختيارتنا خلال رحلة الحياة.
يحق لنا الحب يحق لنا بدايات جديدة،ومن قال لا؟ ولكن هذا لا يعني أن نرمي كل ماضينا لنشتري مشاعرا قد تكون عابرة لا تملك ديمومة الإستمرار.
لا يمكننا أن نهدم أسرنا من أجل ان نستعيد شيئا من تلك المرحلة ،التي كانت تجعلنا في قلب الحياة وفي جنون لا منطقها الساحر.
اليوم بت أيها الكهل وأيتها الكهلة في مرحلة مختلفة وجميلة جدا، ان تقبلتها بل لعلها الأكثر جمالا، انها مرحلة اعادة ترتيب الأحاسيس وحصد نتائج اختيارتنا في الحياة، وليست مرحلة الكوما العاطفية حيث تعتري العلاقة موجة سلبية وحالة من الرفض ورغبة في الانتفاض على تلك الثوابت التي بنيناها ، الأمر لا علاقة له بما نعيشها بل بما لم نعشه وبما فقدناه الى الأبد . ساهمت العولمة بتفشي ظاهرة المراهقة المتأخرة لانها أتاحت علاقات افتراضية يُلبسها المرء من حاجاته ويضيف عليها بُهارات خيالاته ويصنع لنفسه فوضى تسلخه أحيانا عن واقعه. الارتباط الطويل يفقد بريقه، ان لم يتمكن الشريكان من خلق مساحات متناغمة واجراء حوارات صريحة بعيدة عن الأحكام المسبقة وتبادل التهم والبحث عن من تقع على عاتقه مسؤولية الروتين والتهميش اللذان سكنا علاقتهما؟.
المقال ليس للوعظ، ولن أقول لا تفعلوا كذا وفعلوا كذا، بل أقول كل مراحل العمر جميلة والسعادة الحقيقية في حب ما نحن عليه، لافي اللهاث وراء ما نحلم أن نعود اليه.