صراع الإرادات في الخليج بين الكارثة والسلام

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

شهدت منطقة الخليج مؤخرا توترا شديدا على صعيد تهديد الملاحة أو على صعيد الخلاف بين واشنطن وطهران وجاء موضوع احتجاز الناقلات بين بريطانيا وإيران ليضيف للمشهد توترا إضافيا وخشية من انزلاق إلى الأمور إلى ما لا يحمد عقباه وهو اندلاع حرب إقليمية كارثية تقضي وتدمر مقدرات المنطقة.

وقد أحدثت مشكلة الناقلات صراعا كبيرا بين لندن وطهران وفي ظل عدم الوصول إلى حلول توفيقية تبرز الدبلوماسية العمانية لإيجاد ذلك التوافق والحلول الوسط بين الفرقاء ومن هنا جاءت الزيارة الهامة لمعالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية لطهران مؤخرا ولقاءاته مع كبار المسؤولين الإيرانيين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية روحاني ومسؤولين في مجلس الأمن القومي ورئيس مجلس الشورى الإيراني وبالطبع وزير الخارجية ظريف.
وقد حظيت تلك الزيارة باهتمام إعلامي وصحفي كبير خاصة القنوات الإخبارية الإقليمية والدولية، وهذا يعود إلى أهمية الدبلوماسية العمانية وخبرتها التراكمية في مشهد سياسي سابق أدى في النهاية إلى حوار مباشر بين طهران والولايات المتحدة والدول الغربية وروسيا نتج عنه توقيع الاتفاق النووي عام 2015.

تهديد الملاحة
يعد مضيق هرمز هو شريان اقتصادي وممر مائي مهم لكل مصالح العالم وهناك تقاسم للمضيق ومسؤوليته تقع على السلطنة وإيران، ومن هنا فإن التشاور بين البلدين الصديقين في تأمين الملاحة هو أمر حيوي ولعل موضوع احتجاز الناقلة البريطانية وقبلها التفجيرات في عدد من الناقلات في المياه الإقليمية الدولية كل ذلك جعل التوتر يتصاعد بين الفرقاء، ومن هنا فإن تصريحات معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية وحتى بيان وزارة الخارجية تأتي منسجمة مع الرؤية العمانية حول ضرورة حرية الملاحة وأهمية إبعاد المنطقة عن شبح الحرب فيما يخص النظرة الكلية للتوتر في منطقة الخليج.
ومن هنا فإن السلطنة حريصة على بقاء المضيق آمنا وحرية الملاحة تسير بشكل انسيابي ولتحقيق هذه الأهداف لابد من وجود اتصالات مع إيران وأيضا مع الدول الغربية خاصة المملكة المتحدة والولايات المتحدة بهدف إيجاد مقاربة سياسية تبعد المنطقة عن تكرار أحداث الماضي خاصة حرب الناقلات أثناء الحرب العراقية – الإيرانية في عقد الثمانينات من القرن الماضي علاوة على حروب الخليج في عقد التسعينات والتي انتهت بكارثة بيئية لا تزال المنطقة وسواحلها تعاني منها.
إذن الدبلوماسية العمانية والتي تتصف بالهدوء واستقراء الأوضاع وتحليل المواقف تواصل جهودها الخيرة ومن خلال التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم – حفظه الله – بنزع فتيل أي كارثة محتملة كما حدث عام 2013 ومن هنا كانت الأصداء الإعلامية والإخبارية كبيرة على تلك الزيارة والنتائج المرتقبة والتي قد تفضي أولا إلى تخفيف التصعيد وبعد ذلك تأمين الملاحة في مضيق هرمز وهي أولوية استراتيجية للسلطنة.
هناك الآن ناقلة بريطانية محتجزة لدى إيران وهناك جدل بشأنها بين البلدين وهناك ناقلة نفط إيرانية محتجزة من قبل بريطانيا في مضيق جبل طارق وهذا يعني أن المضايق البحرية أصبحت مستهدفة وهذا يهدد التجارة العالمية وانسياب البضائع ونقل الطاقة خاصة من منطقة الخليج إلى أوروبا وآسيا والصين والهند ويبدو أن الحل التوفيقي في نهاية المطاف وبصرف النظر عن صراع الإرادات الحالي بين لندن وطهران سيكون الإفراج المتبادل عن السفن من خلال توقيت متقارب وليس هناك خيار آخر سوى الحرب وهو أمر مستبعد.

القوة البحرية الدولية
الحديث الذي يدور الآن عن تشكيل قوة بحرية غربية لحماية الملاحة في منطقة الخليج هو إجراء سوف يعقد الأوضاع ويزيد من التوتر بين إيران والغرب وهناك تباينات غربية في هذا المجال من قبل فرنسا تحديدا والتي ليس لديها الحماس لتنفيذ فكرة الحماية البحرية الجماعية للملاحة، ومن هنا فإن المنطق السياسي الصحيح هو إنهاء موضوع احتجاز السفينتين وفق منطق لا ضرر ولا ضرار وعدم البحث عن المسوغات التي أدت إلى احتجاز السفينتين وبعد ذلك إطلاق الحوار الإيراني-الأمريكي والذي سوف يتحقق في نهاية المطاف كما حدث في نموذج الاتفاق النووي مع إيران وهناك تصريحات متبادلة بين واشنطن وطهران حول الاستعداد للتفاوض أو على الأقل استكشاف فرص التفاوض دون شروط وهذا مؤشر جيد لإنهاء التوتر في منطقة الخليج وهي من المناطق الحساسة في العالم.
إذن الجهود الدبلوماسية العمانية تعمل وفق هذا المنطق وهو تأمين الملاحة في مضيق هرمز كممر حيوي لمصالح المنطقة والعالم ومن خلال مسؤولية السلطنة وإيران للإشراف على هذا المضيق الاستراتيجي وأيضا إنهاء موضوع احتجاز الناقلتين من خلال الاتصالات مع الطرفين البريطاني والإيراني وقد تأخذ المسألة بعض الوقت لحسابات داخلية وتكتيكية.
قدوم الأساطيل البحرية والقطع العسكرية الغربية إلى منطقة الخليج وعسكرة المنطقة هو خيار سلبي ويؤدي إلى مزيد من التوتر، ولكن من خلال الحوار والتفاوض يمكن الوصول إلى حلول توفيقية تبعد المنطقة وشعوبها ومقدراتها عن أي كارثة محتملة وهو الأمر الذي تعمل عليه السلطنة وقيادتها الحكيمة وهذا أمر يقدره العالم والمجتمع الدولي في الماضي والآن.

المنطقة والعالم بحاجة إلى صوت العقل والحكمة وعندما يتم التركيز الكبير إعلاميا علي زيارة معالي يوسف بن علوي إلى طهران فإن ذلك ينبع من تقدير صحيح بأن التحرك السياسي العماني لا يهدف إلى الوساطات ولكن يهدف إلى إنهاء التوتر والتحذير من الوقوع في المحظور ورسم الصورة بالشكل الصحيح للخروج من الأزمة بأقل الأضرار وهذا جهد سياسي يتماشى والثوابت الراسخة للسياسة الخارجية العمانية والتي تميزت بالمصداقية والاحترام والقبول الواسع النطاق في أكثر من ملف إقليمي ودولي.
إذن القوة البحرية المشتركة المقترحة ليست خيارا مناسبا لإنهاء التوتر في منطقة الخليج وبالتالي ضرورة تواصل الجهود الدبلوماسية من السلطنة والآخرين حتى يمكن الوصول إلى قناعات مشتركة تجنب المنطقة أي مواجهة عسكرية محتملة.

هل تنفرج الأزمة؟

هناك تشابك وتعقيد كبير في المواقف والأزمة بين واشنطن وطهران، هي الأخطر، إذا بقيت دون حل أو إطلاق تفاوض سري أو علني ومن هنا فإن الجهود السياسية لابد أن تتواصل على أكثر من محور فالاتحاد الأوروبي الشريك في توقيع الاتفاق النووي عليه دور للمحافظة على الاستقرار في المنطقة وطالما هناك التزام إيراني بالاتفاق فإن على الأوروبيين أن ينفذوا بنود الاتفاق خاصة على صعيد آليات التجارة وشراء النفط من إيران وأيضا المبادلات المالية.
ومن خلال المتابعة والتحليل فان الجانب الأوروبي لديه حسابات إدارة ترامب والتي حذرت الجانب الأوروبي من التعاون التجاري مع إيران وبالتالي خرق الحظر الأمريكي وهذا يشكل إحراجا كبيرا للأوروبيين ومن هنا فإن المسألة في غاية التعقيد وقد يستمر صراع الإرادات لبعض الوقت.
الشيء الإيجابي في الوضع المتوتر في المنطقة هو أن الولايات المتحدة لا تريد خوض الحرب ضد إيران، وهذا يأتي من خلال مقاربات داخلية من أهمها أن الرئيس ترامب يتطلع إلى فترة رئاسية ثانية في انتخابات العام القادم وهو بالتالي لا يريد المغامرة بالدخول في حرب غير مأمونة العواقب.
وثانيا تدرك الولايات المتحدة بأن إيران لديها إمكانات عسكرية ليست سهلة ولعل إسقاط إيران للطائرة الأمريكية المسيرة باهظة الثمن ومن علو جوي مرتفع يعطي إشارة إلى صعوبة وفداحة أي حرب محتملة. وأخيرا فإن الموضوع الاقتصادي يبرز بقوة لدى إدارة الرئيس الأمريكي حيث إن فلسفته تدور حول سحب القوات الأمريكية من مناطق في العالم بسبب الصرف المالي خاصة من أفغانستان وقبلها من سوريا والعراق.
كما أن إيران لا تريد الحرب خاصة وأنها في وضع صعب بسبب العقوبات الاقتصادية والحرب، هنا سوف تضاعف من متاعبها الاقتصادية ومن هنا فإن اتجاه الطرفين يعطي فرصة لتكرار نموذج المفاوضات المباشرة السرية منها والمعلنة قبل عدة سنوات ونتج عنها الاتفاق النووي وعلى ضوء ذلك ورغبة ترامب في التخلص من إرث الرئيس السابق أوباما فإن اتفاقا نوويا آخر قد تكون به تغييرات شكلية يوقع عليه الرئيس ترامب كافيا حتى يكون هذا الاتفاق باسم الرئيس ترامب.
الاتفاق النووي مع إيران قيد إيران وجعلها أمام التفتيش الدوري لوكالة الطاقة الذرية وكانت إيران ملتزمة حسب تقارير الوكالة، أما الانسحاب الأمريكي وعدم التزام الجانب الأوروبي ببنود الاتفاق قد يفسح المجال لإيران لإعادة تخصيب اليورانيوم وفتح مفاعل اراك وبالتالي إدخال المنطقة في سباق تسلح جديد.
وعلى ضوء هذا المشهد المعقد يبقي خيار الحوار هو الآلية الوحيدة التي تنقذ منطقة الخليج من الكارثة المحتملة ونحن كمواطنين ومراقبين للمشهد السياسي في منطقة الخليج والعالم نفخر بالدبلوماسية العمانية وجهودها المخلصة، هذه الدبلوماسية المتفردة خلال نصف قرن يقودها سلطان الحكمة والذي جعل بلادنا تتمتع بهذا الاستقرار الفريد في منطقة عانت من حروب وصراعات على مدى أربعة عقود وها هي السلطنة بقيادتها الحكيمة ودبلوماسيتها الرصينة تبذل جهودها المقدرة محاورة الشرق والغرب على حد سواء بهدف إبعاد المنطقة ومقدراتها من شبح الحروب والمواجهات العسكرية.