التنمية العمانية .. الإنسان الهدف والغاية

إميل أمين –

خلال الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – والذي ألقاه في يونيو من عام 1995، في مؤتمر الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني أجمل جلالته فكر التنمية ذاك الذي سيصبح منهاجا للسلطنة في العقود القادمة في رؤية جامعة مانعة حين قال: «إن التنمية ليست بغاية في حد ذاتها، وإنما هي بناء الإنسان الذي هو أداتها وصانعها، ومن ثم ينبغي ألا تتوقف عند مفهوم تحقيق ثروة مادية وبناء اقتصاد متنوع، بل عليها أن تتعدى ذلك إلى تكوين المواطن القادر على الإسهام بجدارة ووعي في مسيرة النماء والبناء الشامل، وذلك من خلال تطوير قدراته الفنية والمهنية، وحفز طاقاته الإبداعية والعلمية، وصقل مهاراته المتنوعة، وتوجيه كل ذلك نحو خدمة الوطن وسعادة المواطنين».
يمكن القطع بأن ركائز ومنطلقات التنمية المستدامة التي تمضي السلطنة على دربها إنما تسير في هدي الإيمان المطلق بأن القضية مسألة متكاملة يتلازم فيها البشر والحجر دفعة واحدة، من دون انفصال، وبلا نقصان، تبدأ من الإنسان وتنتهي به، وان غاية التنمية في الأساس تتمثل في نقل المجتمعات الى أوضاع أفضل تنعكس على كافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والصحية.
لا تقتصر التنمية في السياقات العمانية على تحقيق معدلات عالية للنمو الاقتصادي، إذ لابد ان ينعكس هذا النمو على رفاهية المجتمعات ونوعية الحياة، وان يسهم في تعزيز التناغم الاجتماعي والاستقرار الشامل، والأهم من هذا ألا يجور النمو الاقتصادي على حقوق الأجيال المستقبلية، أو يفضي إلى تآكل فرصها في الحصول على بيئة نظيفة ونوعية حياة أفضل. يعن لنا قبل الدخول في عمق المناقشة الخاصة برؤية عمان للتنمية خلال العقود القادمة أن نتساءل ونحن على أعتاب خمسة عقود من النهضة المباركة: هل أدركت عمان بالفعل نجاحات تنموية بعينها تدفع دفعا في طريق المستقبل؟
الشاهد انه يمكننا تقديم جواب شاف وواف على علامة الاستفهام المتقدمة من خلال الاطلاع على تقرير التنمية البشرية 2018 والصادر في شهر سبتمبر من العام الماضي، والذي أشار الى ان السلطنة حققت المرتبة الخامسة عربيا، والـ 48 عالميا، متقدمة بذلك أربعة مراكز عالمية، ومركزا واحدا عربيا عن تصنيف العام الماضي.
التقرير الأممي السالف الذكر يؤكد على ان الفضل في هذا التقدم يعود إلى السياسات الاقتصادية والتنموية التي تعمل على تنمية الثروة البشرية في الدولة، وتحقيق أعلى معدلات التطور والنمو في مجالات التعليم والصحة وجودة الحياة، في إشارة تفسر تصنيف السلطنة ضمن فئات الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة.
والثابت أن الحديث عن التنمية العمانية المستدامة لا ينفصل بحال من الأحوال عن أربعة محاور رئيسة تمثل أعمدة خيمة البناء والنماء، وهي تمكين الإنسان، والاقتصاد المعرفي، والصمود البيئي، والسلام….
هل من وقفة تأملية يسيرة مع أركان زوايا المستقبل الاقتصادي والاجتماعي العماني؟
لتكن البداية مع الركن أو الركيزة الأولى، أي مسألة تمكين الإنسان، وقد علمنا جلالته منذ البدايات ان الإنسان هو القضية والإنسان هو الحل، وانه ما من تنمية للحجر من دون البشر. يعني تمكين الإنسان إعداده الإعداد الجيد الواعي، ليكون قادرا على صنع الحضارة بذاته. ولعل المتابع لخطابات جلالته عبر العقود الخمسة المنصرمة يدرك إدراكا كبيرا القيمة التي أولاها لاستنهاض الطاقات الحضارية للسلطنة، تلك التي كانت رائدة وسائدة في حقب تاريخية بعينها، ويقين جلالته دائما وأبدا هو ان الحضارة لا تقوم بالاستعارة، بل تنشأ وترتقي على أكتاف أبنائها البررة، بكفاحهم ونضالهم الإنساني، وبعيدا عن منظومات العنف، أو مصفوفات القوة الغاشمة.
يعني تمكين الإنسان العماني، أن تضحى السبيكة الاجتماعية للعمانيين أكثر قوة وصلابة، وهذا ما جعل السلطنة بالفعل تبحر في مياه مليئة بالأمواج من دون أن ينكسر لها صاري، بل تقاوم بفضل وحدة أبنائها. وفيما نتحدث عن تمكين الإنسان العماني، يدهش العالم من الرؤية المستنيرة قبل خمسة عقود التي أولاها جلالته للمرأة العمانية، وهي رؤية مستمدة من تمكين ديني وإيماني إسلامي، عرف باكرا جدا قدر وأهمية المرأة في الإسلام، وكيف أنها كانت شريكا فاعلا ناجزا في السلم والحرب مرة واحدة، بل في صناعة الحضارة بكافة أشكالها وألوانها.
الركيزة الثانية ضمن ركائز التنمية هي بناء الاقتصاد المعرفي التنافسي، وهذا أمر يقتضي منا وقفة متأنية لعمق الهدف ونبل الوسائل التي تتبعها السلطنة من أجل الوصول إليه.
أدرك جلالته بحسه الاستشرافي العالي، أن العملة الحقيقية، والمعدن النفيس والثمين في أيامنا الحاضرة ليس الذهب ولا الفضة، كما انه لا يتصل بالنفط أو الغاز، فهذه وسائل مكملة، إنما القيمة الحقيقية المضافة هي المعرفة، ولهذا ولدت في سياق العلوم الاقتصادية رؤية جديدة لما بات يعرف باسم اقتصاد الابتكار، والذي لا يقوم إلا على أعمدة ثابتة وراسخة من جداول البيانات، وحقائق الأرقام، وهذه وتلك تمكن الإنسان العماني من أن يضحى عنصرا فاعلا في محيطه الإقليمي من جهة، وحول العالم من ناحية أخرى.
ولا يكفي هنا أن تكون هناك معرفة اقتصادية فحسب، بل ان تكون لها القدرة على المنافسة الشريفة القوية، في عالم بات لا يقيم وزنا إلا للأقوياء، أقوياء المعرفة العلمية والإبداعية، أولئك الذين يسعون إلى الصعود ضمن طبقات الأمم المتقدمة والمستنيرة.
الركيزة الثالثة ضم ركائز المجتمع العماني الساعي للوصول الى تنمية حقيقية دائمة ومتطورة، موصولة بما يعرف بالتعزيز البيئي، وهذه قصة عالمية في أجواء مأزومة الى أبعد حد ومد.
ما تعنيه السلطنة بالصمود البيئي، هو المحاولة الجادة من أجل إنقاذ العمانيين من التأثيرات السلبية والضارة للتغيرات الايكولوجية، تلك التي باتت أخطر من الحرب النووية، وباتت تهدد الإنسان في حاضره ومستقبله بشكل رهيب.
تسعى السلطنة في محيطها البيئي ان تكون نبراسا لاستخدام الطاقة النظيفة، من خلال الموارد العديدة التي من الله بها عليها، وفي المقدمة منها المياه حيث تشرف على آلاف الكيلومترات من الشواطئ البديعة، وهذه يمكنها ان تكون أداة جيدة لبيئة نظيفة، عطفا على الغابات والمناطق ذات الأجواء الطقسية البديعة والخلابة، ناهيك عن الطاقة الشمسية التي تتوافر بكثرة غير مسبوقة في أراضي السلطنة.
هذه العوامل الإيجابية تشكل في الوقت عينه تحديات تحتاج إلى ما أسمته رؤية التنمية العمانية 2030 الصمود البيئي، سيما وان الإنسانية عامة، وفي الأرجاء خاصة، تشكو مر الشكوى من اضطرابات الطبيعة تلك التي جعلت المخاوف تتصاعد بشكل مؤرق من ان يكون الإنسان يكتب شهادة وفاة كوكبنا الأزرق هذا مرة أخرى. نأتي تباعا إلى الركن الرابع من أركان التنمية العمانية المستدامة، وهو واحد من أهم أركانها، والذي يتناول العلاقة بين التنمية وبين السلام.
يعن لنا هنا ان نتساءل: هل يمكن ان تقوم قائمة لأي تنمية أو استقرار اقتصادي من دون أجواء سلام وأمن وأمان؟ الجواب يمكن أن يذهب في أكثر من طريق، اقتصادي أولا وسياسي ثانيا.
أما الاقتصادي فالمعروف بحسب القاعدة الاقتصادية الشهير ان «رأس المال جبان»، بمعنى انه لا يمكن لأصحاب رؤوس الأموال الاستثمار في أجواء من عدم الاستقرار، وإذا كان أحد أهداف أي تنمية تقدمية هو جذب الاستثمارات الخارجية، وقيام نهضة صناعية وزراعية، سياحية وعلاجية، فان هذا كله لا يمكن ان تقوم له قائمة في أجواء من الحروب الداخلية أو الخارجية.
منذ الأعوام الأولى للنهضة المباركة، قاد جلالته رؤية صنعت أمنا وسلاما وفيرا لعمان وللعمانيين، هذا ما جعل البناء والنماء والتشييد يمضي يوما تلو الآخر، وقد باتت السلطنة مناخا جاذبا للغرب والشرق، وهذا ما مكنها أيضا من ان تعبر الأمواج وتجاهد أنواء التقلبات الاقتصادية العالمية، تلك التي ضرب العالم في أواخر العقد الأول من القرن الحالي.
أما من الناحية السياسية فان السلطنة قد فهمت مبكرا جدا أهمية العيش مع من حولها من دول في سياقات ونطاقات من المودات الحقيقية غير المزيفة، تلك المودات التي أنهت مشاكل ترسيم الحدود، ووفرت الجهود لتعظيم الشأن الداخلي، مرة والى ما شاء الله.
هذا الدور الخلاق للسلطنة جعل منها – وهذا ليس سرا نذيعه – وسيطا متقدما في منطقة ملتهبة، وسيطا يسعى لإنهاء الانقسامات، ووقف الصراعات، وتذليل العقبات التي تحول دون العيش الكريم الإنساني.
حين تمضي عمان في مسيرة التنمية 2030 فإنها تتساوق مع الأهداف العالمية للتنمية التي تسعى في إطارها الأمم المتحدة، وأهدافها السامية تتمحور أول الأمر وآخره في القضاء على التحديات التي تواجه العالم، خاصة تلك وثيقة ولصيقة الصلة بالفقر وعدم المساواة وحماية كوكب الأرض من آثار تغير المناخ وتدهور البيئة، وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار.
رؤية السلطنة للتنمية المستدامة تتميز في واقع الحال بالشمولية والترابط، حيث ان مفتاح تحقيق هدف ما مرتبط بشكل وثيق بالأهداف الأخرى، كما أنها تشمل الجميع دون تمييز، فضلا عن كونها تقتضي التكاتف والتعاون بين الدول لتحقيق الاستدامة في العالم، لتفادي السقوط في فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وبين الشمال الغني والجنوب الفقير، الأمر الذي لن ينجو من آثاره أحد، وهو ما يهدد بثورات اجتماعية مخيفة في قادم الأيام.
رؤية صاحب الجلالة السلطان قابوس – أطال الله عمره ومتعه بموفور الصحة والعافية، ومنذ اليوم الأول للنهضة المباركة التي قاد خطاها في مسيرة التنوير، أكدت ولا تزال على ان الفرد هو السلاح الفاعل في ديمومة التنمية في البلاد ودعامة التطور فيها، ومن دون الاهتمام الكلي والجزئي بحياة الإنسان العماني وتعليمه وصحته ورفاهيته، يضحى الحديث عن أي آفاق تنموية شيئا من العبث.
حين وفرت السلطنة لأبنائها الحياة الكريمة والعيش الطيب فإنها في واقع الأمر كانت ترسي أساسات التنمية الخلاقة لـ 2030 وما بعدها، انها بذور وضعت في أرض طيبة، ولهذا لابد لها من حصاد جيد في الحاضر والمستقبل.