على الطريق الصحيح لتحقيق الأهداف

د. الطيب الصادق –

وفي الختام يمكن التأكيد على حالة التفاؤل والوثوق بقدرة السلطنة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة بكافة أبعادها الأربعة: البيئية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، خصوصا أن السلطنة قطعت شوطا كبيرا في تحقيق أهدافها بلا شك أن سلطنة عُمان اتخذت عهدا على نفسها في المضي قدما لتحقيق الأهداف العالمية المعروفة بأهداف التنمية المستدامة للقضاء على التحديات الكبيرة التي تواجه العالم من فقر وعدم المساواة وحماية كوكب الأرض من الآثار البيئية المتدهورة وتغير المناخ فضلا عن إحلال السلام والعدل لجميع الناس دون تفريق، وما يميز هذه الأهداف الشمولية والترابط بينهم والتي اعتمدتها جميع دول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2015.
وكانت السلطنة جزءا من هذه الدول التي تلتزم بشكل حقيقي بالأجندة الأممية وهو ما جعلها تسابق الزمن للوصول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030 من خلال دمج هذه الأهداف في الرؤى والاستراتيجيات التي حددتها السلطنة مسبقا حيث جعلتها من المرتكزات الرئيسية للخطة الخمسية التاسعة والتي تمتد من عام 2016 حتى عام 2020، كما تم وضعها كجزء من رؤية السلطنة 2040، وأكد عليها المجلس الأعلى للتخطيط ووضع إجراءات صارمة لضمان تحقيقها وحدد بدقة جميع خطوات تنفيذها لتتمتع السلطنة بمستقبل مستدام وناجح.
تصميم سلطنة عُمان على تحقيق الأهداف والغايات المحددة في خطة التنمية المستدامة لعام 2030 جعلها تتبنى طرقا متعددة تتوافق مع قناعتها بالأهداف التي تشكل امتدادا طبيعيا للمبادئ الحقيقية للمجتمع العماني منذ نشأته والتي تتمثل في العدل والمساواة والسلام والمشاركة ووصولا إلى مشروع التحديث والنهضة العمانية في السبعينيات من القرن الماضي والتي تضمنت المعاني المادية والروحية والقيم وكان من ضمنها المفهوم الحقيقي للتنمية المستدامة المعروف حاليا، ولذلك تعتبر التجربة التنموية للسلطنة فريدة والتي تعمل بمنهاج واضح في تحقيق الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة والتي تشمل القضاء على الفقر والجوع، وضمان الصحة الجيدة والرفاهية، والحصول على التعليم الجيد، والمساواة بين الجنسين، والمياه النظيفة والصرف الصحي، والطاقة النظيفة بأسعار معقولة، والعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والصناعة، والابتكار والبنية الأساسية والحد من أوجه عدم المساواة، والترويج للمدن والمجتمعات المستدامة، والاستهلاك المسؤول والإنتاج، واتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ، والحفاظ على الحياة، سواء على الأرض أو تحت الماء، وفرض السلام والعدالة والمؤسسات القوية، وعقد شراكات لضمان تحقيق لهذه الأهداف.
لو نظرنا إلى الإحصائيات نجد أنها تؤكد على سلامة مناهج السلطنة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة خصوصا أن السلطنة تجاوزت بعض هذه الأهداف كالقضاء على الفقر حيث تصنف عُمان من الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جدا، وقد حققت المركز الخامس عربيا و48 عالميا من بين 189 دولة، كما أن الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية بالسلطنة يبلغ (79%) مقارنة بنظيراتها من السلع الغذائية المستوردة، وأن نسبة مساهمة قيمة الإنتاج المحلي من قطاعي الزراعة والثروة السمكية إلى إجمالي قيمة المتاح للاستهلاك من الغذاء تبلغ نحو (49%) في عام 2018، وتصنف السلطنة في المرتبة 29 من بين 113 دولة وفقا للمؤشر العالمي للأمن الغذائي لعام 2018، وبالنسبة للتغطية الصحية الشاملة للسلطنة طبقا لمنظمة الصحة العالمية فتبلغ 75% وتبلغ نسبة التغطية بالتحصين ضد أمراض الطفولة (100%) منذ عام 2010، كما تحتل السلطنة الترتيب (19 من أصل 126) في نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي في مؤشر الابتكار العالمي 2018.
وتحتل السلطنة (المرتبة الأولى من بين 126 دولة) في نسبة الخريجين في التخصصات الهندسية والعلمية وفقًا للتقرير العالمي للابتكار 2018م وارتفعت نسبة مشاركة المرأة في وظائف الخدمة المدنية لتصل إلى (48.1%)، بينما بلغت نسبة الإناث العاملات في القطاع الخاص (24.4%) من إجمالي العاملين في عام 2017، ويستفيد (98.7%) من السكان من خدمات مياه الشرب التي تدار بطريقة مأمونة وتغطي خدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية أكثر من (98%) من السكان بالمدن وتبلغ نسبة السكان الذين يعتمدون على الوقود النظيف حوالي (98.9%)، بينما يعتمد (99.3%) على التكنولوجيا النظيفة ويستفيد (100%) من السكان من خدمات الكهرباء، كما تحتل السلطنة المرتبة الأولى عربيا والرابعة دوليا في مجال جاهزية الأمن السيبراني وتحتل المرتبة الثانية عربيا في مؤشر الخدمات الإلكترونية، واستطاعت السلطنة خفض معدلات استهلاك المواد المستنفدة لطبقة الأوزون إلى الصفر أو إلى مستويات أقل من تلك المطلوبة في بروتوكول مونتريال وحصلت السلطنة على المرتبة (47) عالميا في تقرير التنافسية العالمي لعام 2018م.
كل هذه مؤشرات مبشرة وتؤكد على أن السلطنة على الطريق الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتجاوزت بعض منها في السنوات الماضية لكن بالطبع فإن السلطنة مثل نظيراتها من الدول خصوصا التي تساويها في المستوي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تواجه العديد من التحديات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من بين هذه التحديات توفير التمويل في تحقيق هذه الأهداف في ظل تراجع نمو الاقتصاد العالمي وتأثر الدول من حالة الركود الاقتصادي فضلا عن تقلبات سعر برميل البترول والذي أثر بالسلب على الموارد المالية للدول النفطية مما يؤثر بالتالي على عمليات الإنفاق وتمويل أهداف التنمية المستدامة، لكن مع توافر موارد بديلة والاتجاه إلى تنفيذ برنامج التنويع الاقتصادي يمكن للسلطنة أن تتغلب على هذا التحدي، كما تواجه السلطنة تحديات أخرى في تحقيق أهداف التنمية المستدامة مثل توفير فرص عمل للشباب في ظل زيادة مخرجات التعليم والباحثين عن العمل ولذلك يتطلب من القطاع الخاص المساهمة بفاعلية في هذا الجانب وزيادة الاستثمارات وفتح مشروعات جديدة تستطيع استيعاب عدد كبير من الخريجين كما، يجب العمل على ملاحقة التطور التكنولوجي العالمي المتسارع والاهتمام بالابتكارات الجديدة، وضرورة زيادة القدرات البحثية والتنموية والاهتمام بالبحث العلمي، ويجب على المواطنين المشاركة والتعاون مع الحكومة بفعالية أكثر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ولذلك لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة إلا عن طريق الالتزام القوي بالشراكة والتعاون سواء على الصعيد الداخلي من خلال الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني وإشراك أصحاب الخبرة والاختصاص من المواطنين، إلى جانب إشراك الشباب العماني لمعرفة تطلعاتهم وأولوياتهم وترسيخ دورهم كشريك أساسي في صياغة المستقبل، فضلا عن المشاركة والتعاون على الصعيد الدولي ومشاركة الدول والمنظمات الدولية وهو ما تعمل في إطاره السلطنة، ولذلك وضعت السلطنة آلية واضحة لتنفيذ أهداف خطة التنمية المستدامة ووضعت نظاما لمتابعة وتقييم مؤشرات هذه الأهداف وقياس التقدم المحرز في هذا المجال، لضمان تحقيق المستهدف وفق الخطة الزمنية المحددة.
وفي الختام يمكن التأكيد على حالة التفاؤل والوثوق بقدرة السلطنة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة بكافة أبعادها الأربعة: البيئية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، خصوصا أن السلطنة قطعت شوطا كبيرا في تحقيق أهدافها، وهو ما أكدته لوحة معلومات أهداف التنمية المستدامة 2030 والتي كشفت أن السلطنة حققت 14 هدفا من أهداف التنمية المستدامة وأنها في طريق تحقيق الأهداف الأربعة الأخرى والمتوقع أن تكون في فترة قريبة، خصوصا أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تطبقها السلطنة جيدة وأن رؤيتها الطموحة للتنمية المستدامة 2030 قد وضعت لتكون منهجا وخارطة طريق للعمل الاقتصادي والتنموي.