رواد الأعمال يرسمون المستقبل

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

لم نعد نجد فرصة للقاء فهي مشغولة على الدوام في مؤسستها الصغيرة التي أسستها بعد (تقاعدها) المبكر جدا من عملها، لكنها أخيرا وجدت فرصة للقائي على الغداء في فترة استراحتها، بعد إلحاح شديد مني، فقد عرفتها من أكثر الموظفين مشاغبة، عانيت كثيرا من عدم التزامها في العمل، وطموحها الذي لم يسمح (الجدول الموحد) بمجاراته، وصفت بالإهمال، والكسل واللامبالاة، والتسيب وصفات أخرى كنت أراها تناقض شخصيتها المنطلقة الطموحة، بدأت تحدثني عن جدولها المزدحم طوال اليوم بالأعمال التي لم تعد تجد فرصة نتيجة لذلك في التواصل مع أصدقائها أو حتى ممارسة الأنشطة الاجتماعية التي تحب، فعملها لا تحده ساعات دوام رسمي، فهي تعمل على مدار اليوم حتى تثبت نفسها، وتحقق لنفسها مكانة كسيدة أعمال في مجال لا تنقصه المنافسة.
بدت لي سعيدة للغاية، منطلقة كما لم أعهدها من قبل، في قمة الثقة بنفسها، خلال الفترة التي تجاوزت الساعتين، لم تشتكي قلة العائد من عملها، ولا من الإرهاق الذي كنت أتخيله من عمل متواصل طوال اليوم تقريبا، كانت هناك بهجة ورضا وحسب، وهو ما لحظته مع كل أصحاب المشاريع، لماذا كل تلك الشكوى والتذمر، لمَ كل ذلك الملل والإحباط من وظيفة آمنه، مريحة، دخلها مضمون، وفي الغالب بلا مسئوليات ضخمة.
ليس الأعمال الخاص بأسهل، إنما هي سلسلة لا تنتهي من التحديات، والصعاب، والمسئوليات الضخمة التي تقع على عاتق صاحب المشروع نفسه في كثير من الأحيان، إذن لماذا كل هذا الإحساس العارم بالرضا فيها، من أين تأتي هذه الطاقة للعمل المتواصل ليل نهار، بلا كلل ولا ملل.
قد تكون فطرة الإنسان التي تميل لحب الحرية والاستقلالية، وأن يكون المرء سيد ذاته، قد يكون أيضا أن بعض البشر كزميلتي هذه من الشخصيات التي تكره الروتين، والإجراءات الصارمة، وأن تحدها بساعات عمل محددة، لا مكان فيه لممارسة إبداعها، وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل كثيرا من الشباب العماني يتسربون مبكرا من سلك الوظيفة مستغلين ميزة (التقاعد المبكر) التي تتيحها القوانين في السلطنة، لمباشرة أعمالهم الخاصة، كذلك نجد كثيرا من الخريجين ممن يمتلكون الإمكانات لذلك يفضلون العمل الحر على الوظيفة المضمونة، وهذا ليس في عمان فحسب بل على مستوى العالم إذ إن هناك ارتفاعا كبيرا في عدد الشباب الذين يهربون من روتين الوظيفة إلى الأعمال الحرة، وصل عددهم وفقا لمراقب ريادة الأعمال العالمي إلى 400 مليون شخص، إنها الفطرة على ما يبدو التي تنشد الحرية والاستقلالية والنمو والتطور حتى قبل الأمان.