المدن الصناعية.. آفاق مستقبلية

تشير الأرقام المنشورة حديثاً بالتزامن مع احتفالات السلطنة بيوم النهضة المباركة إلى أن حجم الاستثمارات بمختلف المدن الصناعية بلغ 6.57 مليار ريال بنهاية 2018، في الوقت الذي أوضحت فيه الجهات المختصة بأن المراسيم السلطانية الأخيرة تفتح آفاقاً رحبة للاستثمار في المدن الصناعية.
في البدء لا بد من الإشارة إلى الاهتمام المبكر الذي أولته القيادة لتطوير الصناعة، والعمل على نقلها إلى آفاق جديدة تواكب المراحل التي تمر بها مسيرة التحديث والنهضة في السلطنة، وأن منظومة القطاع الصناعي ظلت تعمل بالتضامن والتشارك مع القطاعات الأخرى في المسار الكلي للاقتصاد الوطني.
لقد هيأت الحكومة عبر المراحل المتعاقبة كافة الفرص والإمكانيات والتحفيزات التي تعمل على إيجاد البيئة الصناعية المثلى في السلطنة، بما يمكن من قيام صناعات محلية وطنية تجد الإقبال من قبل المواطنين والمستهلكين المحليين ومن ثم يكون لها الوصول إلى الأسواق الخارجية، وهنا لا نتحدث عن الصناعات المحورية الأساسية ذات الارتباط بقطاع النفط، إنما العديد من الصناعات الأخرى التي يمكن أن تستثمر الموارد المحلية والإمكانيات والطاقات الموجودة في السلطنة.
من المعروف أن التقدم الصناعي يرتبط عادة بعدة عوامل ليس رأس المال إلا واحدا منها، إذ إننا في حاجة إلى معرفة مدى الإمكانيات والموارد التي يكون علينا الاستثمار فيها، كذلك عمليات التدريب والتأهيل وقبلها الإعدادات المتعلقة بالعمل الإداري والآلات وغير ذلك، كل ذلك يعمل في إطار منظومة متكاملة تشرف عليها جهات مختصة من خلال الدراسات والقراءات والمراقبة بهدف الوصول إلى الأفضل.
يبقى الرهان المستقبلي دائماً على الأفكار الجديدة والابتكارية، فالفكر الصناعي عملية متجددة لا تقف عند نقطة معينة، ولا بد لها أن تواكب المتغيرات على المستوى العالمي في الصناعات بشكل عام وآفاق التطور في الاقتصاديات الجديدة، فالصناعة في نهاية الأمر هي عبارة عن رؤى وبرامج قبل أن تكون مشروعات تطبيقية على أرض الواقع العملي.
الآن وبعد المراسيم الجديدة والمضي باتجاه تعزيز التنويع الاقتصادي فإن هناك العديد من الأدوار التي ينبغي تفعيلها في إطار دفع الصناعة العمانية إلى المزيد من الآفاق المستقبلية المنشودة، ولا يتم ذلك إلا بتضافر الجهود وتبادل الرؤى والأفكار والإيمان بالقدرات الوطنية مع الاستفادة من التجارب العالمية، بما يعزز التجربة المحلية ويضعها في مصاف التقدم المرتجى.
عودة إلى الأرقام فهي مبشرة، حيث نجد أن المعدلات المتعلقة بالنمو متصاعدة كذلك الإقبال على الاستثمارات المحلية والأجنبية مع ارتفاع أعداد القوى العاملة بالمناطق الصناعية، وتنويع المشاريع، كل ذلك يصب في المسار المطلوب ويدعم الطريق نحو الممارسات المستقبلية في تنمية وتطوير الصناعات والمدن الصناعية بشكل عام.
أخيراً فإن الآمال المنشودة بعيدة، ويبقى العمل ثم التنفيذ الدقيق والمحكم، والإيمان بأن أي مسيرة لا بد أن تتدرج لتصل إلى الغايات البعيدة، والتجربة خلال قرابة خمسين سنة هي خير دليل.