التغيير.. بين الانفتاح والعزلة

أحمد بن سالم الفلاحي –

هنا استحضر قول الباحث مايكل جونستون الذي وثقه في كتابه الذي يحمل عنوان: متلازمات الفساد (الثروة والسلطة والديمقراطية) حيث كتب النص التالي: «إن إشراك المواطنين كقوة فعالة في صياغة الإصلاح، وليس كجمهور متلقي للحملات الجماهيرية، يشكل خطوة جوهرية».
يأتي مفهوم التغيير كمسألة وجود في حياة الكائن الحي، ولا يمكن بأي حالة من الأحوال أن يغيب هذا المفهوم عن ذاكرة هذا الكائن، مهما كانت مجموعة الظروف المحيطة به، سواء كانت فاعلة في المسألة التغييرية، أو معرقلة لها، ولذلك ترقت الحياة بناء على هذا الهاجس النفسي المتوغل حتى في الذاكرة الصغيرة، حيث نقرأه في مختلف أنشطة أبنائها الصغار، وهم يبحرون في دهاليز حيواتهم المختلفة، وطبعا بدرجات متفاوتة، فالمسألة التغييرية؛ على الرغم من أهميتها؛ إلا أنها تكون حاضرة بنسب متفاوتة عند الأفراد، وذلك بناء على عوامل كثيرة: قيمية، وثقافية، وتربوية، وأنظمة اجتماعية، وأنظمة سياسية، ومستويات متفاوتة من الفهم والإدراك، والتي تحددها الخبرات المكتسبة عند كل فرد على حدة، إلا أنها تظل في أحوالها المختلفة مطلب مهم، ولا محيص عن اعتمادها منهج حياة، حتى تبقى الحياة على تألقها، وتطورها، وتميزها، وترقيها، واستيعاب مجموعة الظروف المؤثرة على أنشطتها المختلفة.
ينظر الى المسألة التغييرية على أنها مسألة مرحلية، وذلك بناء على عوامل كثيرة تحفز واضع آليات التغيير على ضرورة البدء في مشروعها، وهو مشروع ممتد، لا يتوقف عند حد، وكلما قطع شوطا في مسار التغيير، كلما واجه مرحلة أكثر صعوبة، وعليه أن يقبل بهذا التحدي المستمر، حيث لا مناص من ذلك، فالمسألة التغييرية مسألة تراكمية، وهي بقدر مجموعة الصعوبة التي تواجه صانع القرار، إلا أنها تظل صورة مغرية بما تقدمه من نتائج إيجابية على واقع الناس في المساحة الجغرافية التي تجري فيها عمليات التغيير المستمرة، ولعل في ذلك الدافع الأكبر للاستمرار في مسيرة التغيير، فوق أن الإنسان بطبيعته يمل من تكرار الصور النمطية، وبقائها على واجهة الأحداث، والأحداث اليوم تتشكل بمقاييس غير عادية في سرعتها، وفي تأثيرها على واقع الناس، وبالتالي متى واكب التغيير هذه الأحداث، كلما عايش العصرنة الظاهرة، واستطاع بذلك التخلص من العوامل الجاذبة نحو العزلة، فالعزلة؛ كما هو معروف مقيتة، وباعثة على السأم، وهي من العوامل الدافعة نحو التقهقر، والتراجع، والانكماش، وهي لا تعبر إلا عن واقع يعمل على تفعيله؛ غالبا؛ الاستعمار، حتى يبقي الشعوب راكعة له، وغير متطلعة إلى آفاق أرحب، وأوسع.
يمثل الانفتاح على الآخر أحد أهم عوامل التغيير، بل هو عموده الفقري؛ إن صح التقييم؛ وذلك للإيمان المطلق بأن الآخر يحمل في عمليات تطوره، الكثير من الآليات والنظم، والأفكار والقيم، والإبداع والتحديث، وهذا الأمر إن تحقق لدى فئة من الناس، فإنه لن يتحقق عند آخر، وهذا التحقق في مضمونة يظل نسبيا على حد كبير، ومن خلال الفراغات الحادثة بين هذه النسبية، هي التي تعطي الفرصة للآخر لأن يطور آلياته، ونظمه، وقوانينه، وبما يتوافق مع ظروفه، وإمكانياته، وقيمه، ومعتقداته، وهذا ما يعطيه الفرصة أكبر لأن يطور، ويختصر العمليات، ويستحدث النظم، ويسخر مجموعة الإمكانيات المتحققة في بيئته، ولعل أهم هذه الإمكانيات هي القوة البشرية؛ التي إن سخرت ووظفت التوظيف الجيد، أتت بثمار كبيرة؛ ربما؛ تفوق التوقعات، فالإحساس بالقيمة، مسألة محفزة أكثر للإبداع، والعطاء، أما في حالة الإهمال، وعدم الاهتمام، يكون ذلك مدعاة للتراجع والاضمحلال، والضمور، وهذه مسألة في غاية الأهمية، وتبقى الضرورة ملحة في الالتفات إليها، ووضعها نصب الأعين عند الشروع في عمليات التغيير الذاهبة إلى التحديث، مع التأكيد دائما أن ليس هناك من شعوب تركن إلى العزلة الذاهبة إلى التخلف، والدليل حتى تلك الشعوب التي تعيش ظروفا قاسية، لأسباب عديدة يمثل لها التغيير هاجسا ملحا، وتراها تعوض ما فاتها حتى باقتناء الصور المنتجة في الدول العصرية المتقدمة، فالمهم أن لا تشعر بالعزلة، وقد أتيحت لي فرصة الزيارة لإحدى الدول الإفريقية؛ التي تعد فقيرة نسبيا، لسوء إدارة مواردها الاقتصادية من قبل نظامها السياسي، ولاحظت توغل أفرع شركات متعددة الجنسيات، وفقا لتخصصاتها المختلفة، ومنها مطاعم الوجبات السريعة، في أدغالها البعيدة عن العاصمة، وأجزم أن الإقبال عليها من قبل هؤلاء البسطاء كبير، فوق أنهم يلبسون من الأقمشة ما تحمل عناوين هذه المنتجات وغيرها، كنوع من الاعتزاز، أو مواكبة العصر.
إن الوعي بظروف العصر ومتطلباته، مقياس مهم للخروج من «شرنقة» العزلة، وأتصور اليوم في ظل وجود الثورة الاتصالية الصادمة للمقاييس الفردية تختصر الكثير من الزمن والجهد، لإيصال رسائل كثيرة لمختلف الأطراف التي تتوق إلى التغيير والتمدن والعصرنة والتحديث، فهذه كلها عناوين عريضة في مشروعات التغيير، والمسألة تبتعد كثيرا عن الاجتهاد الفردي، وتخضع كثيرا؛ في المقابل؛ للمسألة العلمية الحاكمة أو الضابطة لهذه المشروعات، وهذا الأمر يستلزم أيضا ضرورة ممارسة مجموعة من الأدوات الضابطة في مشروع الانفتاح والتغيير والعصرنة، منها ما يتعلق بالنظم والآليات والإجراءات، ومنها ما يتعلق بالقيم والثوابت المعززة للهوية، والنأي قدر الإمكان عن النقل الحرفي لتجارب الآخرين؛ حيث خصوصية الزمان والمكان يجب أن تكون حاضرة في أي مشروع للتغيير، واحترام الإنسان، فذلك الرهان على النجاح، فالانفتاح لا يجب أن يكون مشاعا ليفقد قيمته الفنية الحقيقية، كما لا يحبذ التعامل معه بحذر شديد إلى حد العزلة، فلا بد أن يكون التعامل هنا متحررا من الحساسية المفرطة، التي قد تؤدي الى تأزم المواقف، ولا تعطي نفسا للعمل بأريحية آمنة، تنشد تحقيق الأهداف الوطنية العامة، التي يأتي خيرها للوطن ككل، مع النظر بعين الاعتبار أيضا إلى طموحات الأجيال الناشئة، التي تقرأ في عناوين هذه المشروعات كلها تحقيقا لمكاسبها الظرفية الآنية، فكل جيل ينتصر لعصره، ويرى في مثل عصرنة القيم استحقاقا مهما يعبر عنه.
توكل عادة مشاريع التغيير والتحديث لما تفرزه الجامعات والمراكز العلمية والبحثية من استخلاصات لمجموعات البحوث والدارسات المرتبطة بالواقع المعيشي للسكان، فهي التي تلعب دورا محوريا في مسألة التغيير النوعي، وهي الوسيلة المثلى لقياس هذا التغيير، وذلك لتجريديتها المطلقة في النتائج والاستنتاجات، وللأمانة العلمية التي عادة ما يتمتع بها الباحثون المخلصون، وهي التي تقوّض الاجتهادات غير القائمة على البحث والدراسة، وتعفي أصحاب القرارات الارتجالية من مهامهم المتواضعة، وهذا ما يعزز النظرة التي تذهب إلى ضرورة التركيز على الإصلاح المؤسسي، فهو القادر على قيادة مشروعات التغيير، وذلك من خلال تأصيل الممارسة في مختلف أنشطة المؤسسات، حيث يعدم مفهوم الاستثناء، والصلاحيات المطلقة لمسؤولي الوحدات، ويستبدل ذلك بالإرادة الجماعية للمؤسسة، وفق نظم التشريع المنصوص عليه في نظام المؤسسة، مع الأخذ بالبحث العلمي الرصين في تسيير مشاريع المؤسسات، وهذا من شأنه أن يغلق أبواب الفساد من أن يتوغل في مراحل الانفتاح، والتحديث والتغيير، وكما هو معروف أن مشاريع التغيير والتحديث مكلفة وباهظة الثمن، وهي من الفرص التي تتيح لأذناب الفساد بأن تندس أيديهم بين مظانها المختلفة، وهذه أكبر إشكاليات الإصلاح التي تقوم بها، مع الأخذ في الاعتبار مجموعة «مقاومة التغيير» خوف الإضرار بمصالحها الخاصة، وهذه فئات مندسة في كل مشاريع التغيير والعصرنة والتحديث، وفي كل التجارب التنموية التي تعيشها الأمم بلا استثناء. هنا استحضر قول الباحث مايكل جونستون الذي وثقه في كتابه الذي يحمل عنوان: متلازمات الفساد (الثروة والسلطة والديمقراطية) حيث كتب النص التالي: «إن إشراك المواطنين كقوة فعالة في صياغة الإصلاح، وليس كجمهور متلق للحملات الجماهيرية، يشكل خطوة جوهرية.
إن الإعلان عن المعايير شيء، أما معالجة شكاوى المواطنين ومشكلاتهم الناجمة عن الفساد فهو أمر آخر، إذا كان الإفلات من العقاب يمثل إحدى الخصائص الرئيسية لفساد المسؤولين الحكوميين، فإن الإصلاح سيتطلب قوى مضادة مستمرة وفعالة. وستكون الحريات المدنية وحقوق الملكية الواضحة والآمنة خطوات رئيسية، كما يمكن للمنافسة السياسية الحقيقية أن توفر للقيادة التغذية الراجعة» -انتهى النص -. أختم هنا بالقول: انه ينظر كثيرا إلى أهمية توأمة الإصلاح والانفتاح في الحالة التغييرية، ويبدو من الصعوبة بمكان الفصل بينهما، وإذا كان الأول يحتاج إلى قوة القانون في تحقيقه، فإن الثاني يحتاج إلى التحرر من العزلة البيروقراطية، وتبقى القدرة على التوفيق بينهما هي ما يتمتع به صاحب القرار من حكمة وخبرة ومسؤولية.