التقنية والابتكار المؤسسي والعصر

يعمل العالم المعاصر على توظيف ما يعرف بالثورة الصناعية الرابعة في كافة مسارات الصناعات بما يعدل من وسائل الإنتاج التقليدية وينقلها إلى آفاق حديثة تواكب اللحظة الإنسانية الراهنة والمستقبلية، فالعالم اليوم باتت تديره التقنيات المعقدة والذكاء الاصطناعي والشبكات الرقمية، بل أصبح كل شيء فيه تقريباً يقوم على الهويات الافتراضية.
من هذا الإطار فإن الحديث عن ربط الإنتاج بالتكنولوجيا أو التقنية يعتبر من الأسس التي يجب أن يفكر فيها كل صاحب عمل، بل هو مسار التفكير الجمعي في كافة القطاعات الإنتاجية والاقتصادية، ويجب أن نعي بأن مفهوم هذا الربط المنشود يتجاوز المسائل النظرية البسيطة أو التركيز على المصانع فحسب، إذ أنه يشمل الشركات بكافة أنواعها والمؤسسات الحكومية والخاصة بشكل عام.
لقد حدثت تحولات كبيرة في هذا القرن الجديد ومنذ مطلعه في التقنيات والذكاء الرقمي، الأمر الذي انعكس على تغيير ملموس في مفاهيم الإدارة والإنتاج ونقل المؤسسية إلى فكر جديد غير مسبوق يصعب السيطرة عليه أو الإلمام به في مجرد محطات طفيفة، إذ أنه معقد ومتسع المعاني والتطبيقات، ولهذا فإن مناقشة مثل هذه القضايا يتطلب مؤتمرات وندوات وحلقات عمل للتعريف بها في المقام الأول، ومن ثم العمل على تشابك الأفكار للتطبيق على المحتويات الوطنية والمحلية، بالاستفادة من تشارك المعلومات والأفكار مع العالم عموماً.
يمكن الإشارة هنا إلى المؤتمر الخليجي التاسع لتطوير إنتاجية الكوادر البشرية بعنوان «الابتكار المؤسسي وتوظيف التكنولوجيا لتعزيز الإنتاجية»، الذي سوف يعقد بمدينة صلالة في السادس والعشرين من شهر أغسطس المقبل، والذي من المفترض أن يعمل على تشاركية المقترحات والرؤى وتبادل الأفكار على المستوى الإقليمي بين دول مجلس التعاون الخليجي، ولا شك أن لكل دولة من الدول تجربة يمكن أن تستفيد منها الأخريات في هذا الباب، بما يعزز الفائدة الجماعية.
إن الحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم كالمؤسسة والشركة وكذلك المصطلحات المتعلقة بالتقنية وعلاقتها بوسائل الإنتاج وطرقه وأنماط الآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المترتبة على هذه التحولات، كل ذلك يجب أن نضعه في الاعتبار ونحن نفكر في المستقبل ونضع التحفيزات لبناء الغد الأفضل من خلال النظر إلى التوقعات الإيجابية، التي تأتي من خلال الإرادة والمعرفة والتطبيق العلمي الدقيق والفاعل.
تبقى الإشارة إلى أن أي جهد إنساني في هذا العصر مهما صغر حجمه قد يكون مفيداً حتى لو أن العالم بدا مليئاً بالمقترحات التي لا حصر لها، غير أنه من ناحية ثانية فإن هذا العالم نفسه أصبح ينشر الأفكار بشكل سريع جداً ويعمل على تدويلها، ما يعني أن الفكر البشري بات أمراً جماعياً وهو كذلك منذ فجر التاريخ، غير أن الجديد أن ذلك يحصل بشكل أسرع وبفائدة أكبر للناس. يعنى ذلك أننا يجب أن نستفيد من عصرنا وأن نساهم فيه في الوقت نفسه وألا نهمل جهودنا ومناظيرنا في سبيل أن نكون فاعلين بالمشاركة في المحتوى العالمي للمعارف الجديدة وصياغة الفكر المؤسسي والإداري وغيرهما.