هذا عصر التراجع في العمل الجماعي الدولي؟

د. عبد العاطي محمد –

لا غرابة إذن أن نجد خريطة الأحداث العالمية اليومية قريبا منا أو بعيدا تراوح مكانها عند نقط الصفر أو أكثر قليلا، طالما هناك تخاذل أو فتور دولي غير مقبول لا أخلاقيا ولا سياسيا تجاه دعم أية جهود أو مبادرات فردية لحلحلة الوضع المتأزم هنا أو هناك، ولا غرابة أن يطول أمد الأزمات أو الصراعات خصوصا في منطقتنا العربية التي لها النصيب الأكبر منها.
ما أبعد اليوم عن البارحة. لقد تغير مزاج الشعوب وتنوعت رؤاها في كيفية تحقيق الاستقرار والسلام والرفاهية، فلا غرابة أن يتراجع العمل الجماعي الذي كان قائما على اعتقاد راسخ من كل شعوب العالم بأنها تتشارك في هم واحد وتتعاون بكل صدق في إدارة خلافاتها وفق قواعد والتزامات يحترمها الجميع. وبنظرة بسيطة على خريطة الأحداث العالمية، في ظل التغيرات الحادة في رؤى ومزاج الشعوب، نجد أنها تتسع وتتعدد كل يوم بينما تقف الدول ممثلة في حكوماتها مغلولة اليدين، غير قادرة على إحداث اختراق يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.
ميثاق الأمم المتحدة يبدأ بعبارة شهيرة تقول «نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا: أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت على الإنسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية. وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة من المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدما، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح». وكان واضحا جليا أن المبدأ الأساس الذي قام عليه الميثاق هو «العمل الجماعي» في السراء والضراء، لا أن تنفرد دولة ما بتصرف يهدد هذا الاتفاق العالمي الذي أنشأ المنظمة الدولية.
وبالطبع كانت العبارة والميثاق كله نتاج تجربة مريرة مرت بها الإنسانية في حربين عالميتين راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر. وكان الهدف من الميثاق ليس فقط التذكير بما جرى والعزم على عدم تكراره، وإنما بناء مستقبل للبشرية يحقق لها التقدم والعدالة والسلام والأمن والرفاهية. وجاءت كل بنود الميثاق تعبيرا عن هذه الأهداف النبيلة. ولكن برغم هذا الميثاق الذي لا يزال دستورا للدول والشعوب حتى يومنا هذا، اندلعت حربا باردة بين الشرق والغرب على خلفية الخلاف الأيديولوجي بين الشيوعية والرأسمالية، إلى أن انتهت هذه الحرب بتفكك الاتحاد السوفيتي، وبه بدأ عصر جديد أسقط هذا الخلاف وأخرجه من حسابات الأمم والحكومات، وتم التبشير بأن ما يحكم العالم هو مجموعة من القيم المشتركة هي ذاتها التي جاءت في ديباجة ميثاق المنظمة الدولية، وتأمل الجميع خيرا. ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهيه السفن باندلاع ما يسمى بالثورات القومية، ويقصد بها أن جماعات عدة داخل دول عدة أيضا شرقا وغربا فقيرة كانت أم غنية، لأسباب تخصها تتعلق بالتميز العرقي أو اللغوي أو الديني، قررت أن تتحرك وتطالب باستقلالها عن الوطن الأم. لقد حدث تغير في مزاج الشعوب ورؤيتها لمصالحها وكيفية التصدي للأخطار التي تهددها، وتدريجيا تصاعدت الاتجاهات التي تقول إن الدول أو الحكومات التي تمثلها لم تعد صالحة للقيام بواجباتها الأساسية أي بدأت تفقد شرعيتها في نظر قوى محلية صاعدة تنشد الخروج عن سيادتها وسيطرتها. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تحول الكثير من المجتمعات إلى تجمعات كل منها في صراع مع الآخر واتخذ الصراع من هذا النوع طابعا دمويا.
نعم تحدث ميثاق الأمم المتحدة عن الشعوب، وكان مؤسسو المنظمة الدولية على حق في ذلك استنادا إلى أن الدول التي خاضت الحربين العالميتين هي المسؤولة عن الخراب الذي حل بالعالم، ومن ثم فالعودة إلى الأصل، أي الشعوب، هي الطريق الصحيح لبداية عصر جديد. ومن جهة أخرى رأوا أن الدول أو من يمثلها من حكومات يجب أن تكون معبرة فعلا عن الشعوب، وهي عندما وقعت على الميثاق فإنها تكون قد وقعت نيابة عن شعوبها، وعليه فإنها ملتزمة بما ورد في الميثاق من حقوق وواجبات. إلا أن التغير الحاد الذي أصاب بنية المجتمع الدولي منذ ما يقرب من 30 عاما ومضمونه هو تراجع مكانة الدولة الوطنية مع صعود القوى المحلية المناهضة لها أحدث تغييرا تاريخيا لم يصادفه العالم من قبل هو تبديل موضع وطبيعة وأطراف واتجاه الصراع (بالمطلق) من حصره قديما في مجال الدولة الوطنية إلى مجال القوى المحلية الناشئة.
هذا التحول أصاب في مقتل ليس فقط المنظمة الدولية بوصفها الهيئة الجماعية الدولية الأكبر، بل وأي تجمعات إقليمية ظهرت في الاتجاهات الأربع من الكرة الأرضية لأنه بداية حرم كل هذه التجمعات من المبدأ الرئيس الذي تعمل به وتكتسب من خلاله الشرعية من ناحية ومن القوة في تنفيذ ما تتوصل إليه من قرارات لحل أزمة أو صراع هنا أو هناك من ناحية أخرى، ولأنه وضع المنظمة الدولية وكذلك التجمعات الإقليمية أيا كان مكانها في ظرف بالغ الصعوبة من شأنه أن يجهض كل محاولاتها لإصلاح ذات البين بين الخصوم، حيث أصبح من المتعين عليها أن تتعامل مع قوى محلية لا تعرف تقاليد الالتزام واحترام القواعد والتعهدات ومتباينة الاتجاهات السياسية ومتنوعة المطالب، والأخطر أنها مسلحة في معظم الأحيان.
لم يعد العمل الجماعي هو الإطار الذي تتحصن به كل جهود المنظمة الدولية وكذلك التجمعات الإقليمية وتضمن من خلاله فرص نجاح جهودها، وإنما التحركات المنفردة والمبادرات الذاتية. وحتى لو حصلت هذه الجهود على الدعم السياسي الدولي أي تفعيل مبدأ العمل الجماعي، فإنها عمليا تضطر إلى البحث عن مقاربات ذاتية لأنها في الحقيقة لا تتعامل مع دول وإنما مع جماعات هي أقرب إلى التيارات السياسية لا الأشكال السياسية المعتادة التي يمكن أن تتفق وتلتزم بما يتم الاتفاق عليه. ومرة أخرى ما كان ذلك ليحدث لولا التفكك الذي أصاب العديد من المجتمعات وحولها من دول وطنية تحظى بسمات السيادة والتكامل الجغرافي والقومي. في الماضي البعيد نسبيا كانت المنظمة الدولية وكذلك التجمعات الإقليمية تتعامل مع دول لأن الصراعات كانت تنشأ بين دول، وأما الآن فالصراعات تنشأ بين جماعات داخل الدول، وهنا يختلف الأمر تماما حيث الحساسية من انتهاك مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين من ناحية، وعدم تحديد الطرف الذي يجرى معه التفاوض، وكذلك عدم الثقة في أن ما يتم الاتفاق عليه يقبله الجميع سواء من جانب الدولة التي أصبحت في موقف لا تحسد عليه، أو من جانب الأطراف المحلية التي تتحكم في مسار الأحداث من ناحية أخرى. وإضافة لكل هذه العقبات التي نشأت من التحول الذي أصاب بنية المجتمعات لا تلقى مثل هذه الجهود الدعم الصادق – كما كان يحدث في الماضي – من بقية أعضاء المجتمع الدولي (عدد أعضاء الأمم المتحدة بلغ 193 دولة)، حيث أصبح العرف السائد هو الاكتفاء بالفرجة على هذه الجهود مع رفض المبادرة بتقديم المساعدة المؤثرة، وهو ما يؤكد مجددا أن المجتمع الدولي فقد حماسته أصلا للعمل الجماعي.
لا غربة إذن أن نجد خريطة الأحداث العالمية اليومية قريبها منا أو بعيدا تراوح مكانها عند نقطة الصفر أو أكثر قليلا، طالما هناك تخاذل أو فتور دولي غير مقبول لا أخلاقيا ولا سياسيا تجاه دعم أية جهود أو مبادرات فردية لحلحلة الوضع المتأزم هنا أو هناك، ولا غرابة أن يطول أمد الأزمات أو الصراعات خصوصا في منطقتنا العربية التي لها النصيب الأكبر منها، طالما تراجعت الدولة الوطنية في بعض المواقع أو اختفت في أخرى منها وحلت محلها قوى محلية متصارعة لأسباب لا يتسع المقام لشرحها.
مع الدولة الوطنية يمكن الوصول إلى حل وإحياء العمل الجماعي الدولي لدعم ما يتم التوصل إليه من نتائج، بينما مع التيارات والقوى المحلية يصعب ذلك تماما، ومع أن ذلك ليس مستحيلا حيث لا تعرف السياسة استحالة الحلول، إلا أنه يستغرق وقتا طويلا وتكلفة عالية جدا. والقارئ الفطن ليس في حاجة لضرب الأمثال من واقع المنطقة العربية الذي يزداد كآبة مع استمرار أزماته على حالها وإضافة الجديد لها كل يوم، فما يجري من المحيط إلى الخليج من أحداث تثير القلق وأحيانا الهلع كفيل بالتدليل على الخسارة الفادحة التي ترتبت على تراجع الاهتمام بالعمل الجماعي الدولي.