النظافة :ممارسة مستمرة وعطاء لا ينضب

علي بن سعيد العلياني –

مما لا شك فيه أن القيام بأي عمل يحتاج إلى بذل الجهد والتضحية، ولكن بعد حساب الربح والخسارة والحاجة لهذا الأمر من عدمه. كما أنه ينظر إلى هذا الأمر، هل يحتاج إلى استمرارية، أم أنه يؤدي إلى فترات متقطعة. وهذه المعطيات هي التي تدفعنا إلى الإقدام أو الأحجام هي التي ترسم الطريق خطوة خطوة، هي التي تولد العطاء بلا حدود، أو التوقف عند أول خطوة. وهنا نريد أن نقف على نصيب أمر النظافة من هذه المعطيات، وأين تقع على خارطة الأمور الحياتية الضرورية.
النظافة تدخل تفاصيل الصغيرة والكبيرة وهي ملازمة للشخص أينما حل أو ارتحل. وتتطلب وعيا واستحضارا على الدوام؛ لئلا تتوقف عجلة الدوران الذي يشهد تسارعا مع تسارع وتيرة الحياة. وهي تعني بأن تعيش بحس مرهف وذوق عال وحب الحياة كما هي بدون أية عوائق أو ملوثات. وهذا يحدد لنا إطارا عاما لا بد أن نسير عليه، وهو أن النظافة لا يحدها زمان أو مكان، بل هي الزمان والمكان الذي يدلنا على وجوب الوقوف عند كل المحطات التي تسعفنا للقيام بالعملية المطلوبة بأسرع ما يمكن استغلالاً للوقت وحفاظا على المكان من المضاعفات التي من الممكن أن يسببها أي إهمال أو تأخير في إنجاز أمر النظافة.

والنظافة مهمة لا تحتمل التسويف أو التواني أو الإهمال بل هي تعامل بأسرع ما يمكن مع كل عملية حياتية تقتضي أن يكون التعامل مع خامات البيئة تدويرا أو تكريرا أو استخداما تترك آثارا أو مخلفات غير مرغوب فيها فالإنجاز السريع صفة من صفات تعاملنا مع بيئة مثالية للعيش بأمان وصحة وعافية. وهي التعامل مع البيئة بكل احترافية ودقة بحيث نصل إلى محيط يعيش الفرد فيه بكل راحة واطمئنان، ويتفرغ بعد ذلك للعطاء من منطلق أنه صافي الذهن صحيح البدن، يستنشق هواء منعشا ويتناول طعاما لذيذا ويمتع ناظريه بمناظر تأسر الألباب وتبهج النفوس. وهي لا تقدر نتائجها بثمن ولا تحسب منافعها بالدرهم أو الدينار فالصحة والسعادة والقوة لا تساويها نقود ولا توزن بذهب بل هي أغلى وأثمن، فهي أساس الحضارة بما تحويه من أرصدة وأبنية شاهقة وعلوم متقدمة والمشكلة أن لا بديل لها مهما بحثنا وفكرنا واخترعنا وجمعنا وبنينا، فلا بد من المرور من فضاءها الواسع وساحلها. والنظافة جواز مرور موصل إلى التقدم والرقي والأناقة وبالتالي يجب أن لا نساوم على هذا الأمر مهما كلف، ولا نفكر في وجوب العمل على تفعيل هذا الجانب بل نجد أن النظافة ترتقي إلى الفريضة، خصوصا إذا اتسعت دائرة التواكل وأن يرمي أمر هذه المهمة كل واحد إلى الآخر، يجب أن يكون الحس الوطني القائم على حب الوطن موجودا، فالجميع يحلم بوطن نظيف جميل متناسق الأركان، وهذا الحلم يحتاج حتى يتحقق إلى العمل ليل نهار، فإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام.
النظافة كلما أعطيتها من جهدك ووقتك وتخطيطك كلما تحسنت النتائج المرجوة وظهرت ثمارها اليانعة بشكل أسرع مما يساعد في إنجاز المهام الأخرى في زمن قياسي وأريحية تعطي زخما لباقي مناحي الحياة التي تحتاج إلى تفرغ تام بعيدا عن المنغصات والآفات الناتجة عن إهمال جانب النظافة. النظافة عنوان جميل يحمل في طياته كل الخير والنماء ويرسم الأمل على الوجوه من أجل أن نحيا سعداء، وتترجم هذه السعادة في صورة القيام بواجباتنا في هذه الحياة كما ينبغي.
النظافة وإن ظهرت لنا على أنها عملية تكميلية فقط، إلا أنها العملية الأهم في حياتنا اليومية، فهي تشترك مع كل خيوط الحياة المختلفة وتدخل في صناعة أسباب سعادة الإنسان وتمكينه في الأرض. وتقوم النظافة بالدور الرئيسي في خلف بيئة صالحة للعيش في ظل وجود ظروف غير مواتية مع بيئات لم يعي أبناؤها هذه الحقيقة ولم يعطوها الأهمية التي تستحقها.
النظافة يكفيها أنها أساس بناء الحضارات ورقي الشعوب وتقدم الأمم وهي بهذا الوصف من الأهمية، بحيث إذا غابت من ساحات أي أمة فإنها ستغرق وبلا شك في ظلمات الجهل ودياجير التخلف والفر، وبالمقابل إذا حضرت حضر معها المجد والسؤدد والرفعة والسمو، وأحيت أمم ميتة وأيقظت أقواما من سباتهم لتدلهم إلى طريق العزة والكرامة والعيش الرغيد.
النظافة تكون ملازمة للإنسان في كل خطوة يخطوها وعند كل تفاعل مع مكونات الحياة، وبالتالي تحتاج إلى يقظة مستمرة وهمة لا تفتر وعزيمة لا تخمد وكل هذا الاستنفار لا يساوي قيمة واحدة من القيم التي أساسها النظافة ومع ذلك تجد هناك من لا يرى النظافة بهذه الأهمية أو تلك الجدوى وهذا ناتج عن الجهل بأسباب التقدم والرقي والجمال.
النظافة تلازمك حتى الفراش الذي تنام فيه، فهي رفيقك الدائم في اليقظة والمنام، وتدخل في أدق تفاصيل حياتك وهي مع كل خطوة تخطوها قمة في العطاء كلما كان اهتمامك عاليا وبالمقابل في أدنى دركات السلبية كلما تعاطيت معها بكل الإهمال وعدم العناية.
النظافة كنز لا يفنى وعطاء بلا حدود وسعادة لا توصف وبهجة تزيح كل الهموم عن كاهلك فما أجمل فراشك النظيف الذي تشم منه عبق الروائح الزكية وبالتالي سيذهب عنك كل التعب وسيزيح عن كاهلك الإرهاق والعناء وأنت تتجول في فناء بيتك النظيف ستجد أن أسباب السعادة تغمرك لأنك تعيش في جو تمتد خيوط النظافة إلى أصغر تفاصيله وهذه السعادة التي تشعر بها والراحة تستمتع بآثارها لن تجدها لو جمعت كل مهدئات العالم ولو قاتلت كل أطباء الصحة النفسية فالنظافة هي إكسير الحياة الدائم.
النظافة عمل دؤوب لأجل الإحساس بروعة الإنجاز وقيمة تحقيق الأهداف فأنت قادر على حمل نفسك على أن تعيش في بؤس وشقاء وتعاسة كما أنك قادر على أن تعيش في راحة وهناء وسعادة كل هذا باتخاذ قرار يحدد الوجهة التي تريد أن تعيش حياتك فيها والنظافة لها ثمن تدفعه من إرادتك وهمتك لتعطيك الدافع والتحفيز وتهيئ لك الساحة وتمهد لك الطريق لتصل إلى أعلى المراتب الحضارية.
النظافة ستجد تفاصيلها تنتظرك أينما حللت أو ارتحلت فهي تريدك أن ترافقك السعادة والراحة في كل مكان وزمان وتريد أن تراك مبتسما تتمتع بوجه مشرق ونفس تسكنها البهجة والنظافة تعني أنك شخص مهذب راق تجيد التعامل مع الواقع في كل الظروف وأنك قادر على مواصلة الحياة بنفس الوتيرة من العطاء واستغلال دقائق حياتك بكل شغف ولهفة وشوق إلى صياغة الإنجازات وتسطر أروع صفحات البذل والعطاء.
النظافة بحث مستمر عما يوصل إلى خدمة الإنسانية من خلال الحفاظ على الشخص بعيدا عن كل ما يصرفه عن أداء دوره في هذه الحياة كما ينبغي وهذا يشمل عدة جوانب منها العلمي والنفسي والبدني ومنها الحفاظ على تركيزه بعيدا عن التشتت الذي تسببه المنغصات والآفات والأمراض الناتجة عن عدم الاهتمام بالنظافة في المحيط الذي تعيش فيه.
النظافة الهدف منها تهيئة الجو الملائم من أجل أن تسير الحياة بشكل صحيح بحيث تكون بعيدة عن الفوضوية أو تشتيت الجهود أو إهدار الطاقات وبث روح العوز والفقر والمرض نتيجة الدخول في متاهات عدم وجود بيئة صحية نظيفة. النظافة ربيع مزهر وأشجار باسقة مورقة وورود متفتحة وهي جمال بلا حدود كما أنها موسيقى جميلة يعزف ألحانها الشجية تكامل جهود أبناء البيئة الجميلة بنقاء أرضها وسمائها وبحرها وهوائها.
النظافة تعطي مزيدا من القيمة في كل الجوانب فهي رصيد علمي وثقافي وصحي ومالي وهي العطاء بلا حدود يحفظ الإنسان وتحفظ له كرامته وعزته وإنسانيته بدل أن يعيش أوضاعا مزرية بسبب إهماله للنظافة وما يتعلق بها من حب الجمال والروعة والبهاء.
النظافة عبارة عن بنك فما تضعه فيه من رصيد يخرج على الجانب الآخر أرصدة مضاعفة تعينك على مراكمة الأرباح إلى أرقام خيالية في جوانب سعادتك التي هي أكبر الأماني وأجمل الأحلام التي ستعيشها مع عطاء مضاعف في جانب الرضى النفسي عما تقدمه من إنجازات.
إذا النظافة نماء وتطور ونهضة في جميع الجوانب فهي قيمة اقتصادية وصحية يتبعها نهضة علمية وعمرانية وصناعية تقوم على أسس وأركان قوية لا تهتز مهما كانت الصدمات بل تتحول كل السلبيات إلى إيجابيات والمخاطر إلى استقرار والمحن إلى منح وبالتالي لابد من النظر بعين الاعتبار والتمحيص إلى الواقع حتى نستطيع أن نقف على الحقيقة التي ربما تغيب عن أذهاننا وهي أن النظافة هي الأساس وبدونها لن تقوم أي حضارة بل ستجد التخلف والفقر والمرض والتشتت.