الإسلام والحياة

محمد بن زهران الرواحي – باحث شؤون إسلامية –
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية –

قال الله -عز وجل- واصفا الحياة الدنيا بقوله جل وعلا: «اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم».
هذا هو وصف الله -عز وجل- خالقنا لهذه الحياة الدنيا بجانب الآيات الكثيرة التي وصف الله بها هذه الحياة في كتابه العزيز.

ولقد جعل الله -عز وجل- الإنسان في هذه الحياة، وجعل له رسالة يمشي بها، وجعل له وظيفة -إن صحت الكلمة-؛ فوظيفته عبادة الله -عز وجل- هذه الوظيفة لو عمل بها الإنسان حق عملها؛ لرزقه الله من حيث لا يعلم، ومن حيث لا يحتسب. الله أكبر؛ قال الله عز وجل: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين»، والعبادة -كما هو معلوم- مفهومها واسع جدا، لا يسعه مجلد أو كتاب؛ فالصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وكل عمل أمر به الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم يعتبر عبادة إذا فعله المسلم فإنه يؤجر عليه؛ فمثلا: إماطة الأذى عن الطريق عبادة، ولمَ كانت عبادة؟؛ لأن بها تكتسب أجرا؛ فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»؛ فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف بين أعلى شعب الإيمان وهي قول لا إله إلا الله، وبين أدنى شعبة فيه وهي إماطة الأذى عن الطريق؛ فلنتساءل لماذا كان الجمع بينهما؟؛ سؤال وجيه، وللإجابة عنه أقول وبالله التوفيق: من المعلوم أنه لا يصح الإيمان من غير أن يقول المؤمن: لا إله إلا الله؛ فإذا قالها صار مؤمنا بالله، وبوحدانيته، وبألوهيته، وربوبيته؛ فكان هذا أعلى شعب الإيمان؛ أما إماطة الأذى عن الطريق فهي كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم أنها أدنى شعب الإيمان؛ فهذا أمر قد يستسهله المرء؛ لكنه شيء عظيم حينما يكون هذا الأذى سببا في إيذاء الناس؛ بأي نوع من أنواع الإيذاء؛ من هنا يتبين لنا عظمة هذا الدين الحنيف. الله أكبر. مثال آخر: عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم؛ قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؛ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟؛ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟؛ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا»؛ ما شاء الله؛ أي دين هذا، وأي شريعة هذه؛ إنها شريعة الله؛ التي لا تعرف للخير حدودا، والتي لا تعرف للقنوط سبيلا؛ إنها شريعة الله؛ التي تبشر ولا تنفر، والتي تيسر ولا تعسر، والتي تؤلف ولا تفرق؛ والتي تسهل ولا تصعب. الله أكبر ولله الحمد.
مثال آخر: الإحسان إلى الوالدين عبادة كذلك؛ فقد قال الله عز وجل: «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. ربكم أعلم بكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا» أمر الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين، وإذا أمر الله أمرا؛ معنى ذلك أن الأمر عظيم؛ فانظر إلى هذا الأمر: الإحسان إلى الوالدين؛ إن الوالدان هما من ربيا الولد منذ صغره، وهما سبب وجوده في هذه الحياة؛ لذا كانت هذه الوصية العظيمة من الله عز وجل للأبناء كي يقوموا بتنفيذها حرفا حرفا؛ ففي الكتاب العزير؛ القرآن الكريم؛ تفصيل عظيم لبيان حق الوالدين، وما ذلك إلا لبيان عظيم مكانة الوالدين؛ حتى في حال كونهما كافرين؛ فعلى الولد أن يعاملهما بالمعروف؛ على النحو الذي فصله الله عز وجل في كتابه العزيز؛ فقد قال الله عز وجل: «ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون»؛ هذا هو الدين الذي يحفظ لكل أحد حقه، وأي حق أعظم من حق الوالدين؛ بعد حق الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعلنا بارين بوالدينا. مثال آخر كذلك: طلب العلم؛ فإن طلب العلم عبادة كبرى في الإسلام، وليس أدل على ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»؛ فيبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وليس حصره على المسلم في الحديث معناه أن المسلمة لا يجب عليها طلب العلم؛ لا، وإنما طلبها للعلم فريضة أيضا والله أعلم؛ كذلك جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع»؛ في هذا الحديث الشريف يبين النبي صلى الله عليه وسلم منزلة طالب العلم؛ فهو في سعي إلى الجنة، ومن كان سعيه إلى الجنة؛ فإنما سعيه لله عز وجل؛ إن منزلة العلم لا تضاهيها أي منزلة؛ فالله عز وجل يقول: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات». ويقول الله عز وجل أيضا: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون».
مثال آخر: عن أنس بن مالك أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها؛ فليغرسها». هذا تشجيع من النبي صلى الله عليه وسلم على العمل، واكتساب الحسنات تلو الحسنات؛ فإن استطاع المسلم أن يتقرب إلى الله بشتى أنواع التقرب؛ فليتقرب؛ حتى لو كان ذلك وقت قيام الساعة؛ إنه دين العمل، دين الحياة، دين لا يعرف للكسل ولا للخور مكانا. الله أكبر.
إن السباق الذي أشارت إليه الآية الكريمة السابقة التي استهلتها في بداية المقال؛ ليدعونا إلى التفكر في هذه الأمثلة القليلة التي ذكرتها، ومدى تعلقها بالسباق المشار إليه فيها؛ فهل لها علاقة؟ من الواضح أن لها علاقة كبيرة؛ فجميع الأمثلة السابقة فيها سباق إلى الخير، وإلى اكتساب الحسنات، واكتساب الأجر من عند الله عز وجل، وتدعو المسلم إلى الرفعة والعزة والسؤدد، وإلى شحذ الهمم نحو معالي الأمور، وترك سفاسفها.
هذه أمثلة قليلة من كثيرة مما أمر به الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؛ تبين عظمة هذا الدين الحنيف، وهديه الحكيم، وصراطه المستقيم؛
فعلى كل مسلم أن يعتز بإسلامه، ويعتز بإيمانه؛ فالحياة لا تستقيم بغير إسلام صحيح، وإيمان دقيق؛ فالحمدلله على نعمة الإسلام، والحمدلله على نعمة الإيمان.
هذا هو الإسلام، وهذا هو الدين الحق؛ الذي يكفل لكل مسلم عزته وقوته ومكانته في هذا الكون الفسيح؛ الذي لا يستطيع أن يزحزحه أي مخلوق فيه؛ لماذا؟ لأنه لا يعرف حقيقة هذا الكون حق المعرفة؛ سوى المسلم؛ لماذا؟ لأن المسلم عرف ربه، ومن عرف ربه؛ عرف سر خلقه، وسر ملكوته العظيم؛ الذي بينه عز وجل في كتابه العزيز، المنزل على سيدنا ونبينا محمد النبي الأمي الأمين صلى الله عليه وسلم.