قانون الفطرة والاختيار والتسيير

عبدالحميد الرواحي –

إن سنن الله لا تتغير ولا تتبدل ومن ضمن ما أوجب الله على نفسه العدل وهو اسم من أسمائه وحرم على نفسه الظلم ومن عدله أن خلق عباده من نفس واحده {يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً).
ومن هنا تشير آيات الكتاب العزيز أن كل إنسان مفطور على معرفة الخالق ومفطور على حب الخير وأن هذه الفطرة باقية مع الإنسان متى ما قرر الرجوع إليها {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وتم تعريفه بالخير والشر { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}.
والإنسان إما أن يبقى على فطرته وإما أن يزيغ تحت تزيين المؤثرات الداخلية والخارجية أهله وأعدائه النفس والشيطان ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} وهذا مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام (كل ابن آدم يولد على الفطرة فأبواه إما يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) وبالإضافة إلى ذلك فقد أعطى الله هذا الإنسان مؤشرا داخليا كالبوصلة تنبهه عندما يقدم أو يقع في شيئا من المعاصي حتى لا يبقى له عذر فيما سيختاره بعد ذلك {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} فإذن هذه الفطرة التي تبقى مع الإنسان إلى لحظة موته هي قمة العدل الإلهي بين الناس ، والإنسان أمام أن يبقى مظهرا لهذه الفطرة أو أن يخفيها بعدم استجابته لها والانجرار خلف الأهواء ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا *) وهذا الإخفاء قد يتفاوت من شخص إلى آخر بحسب اتباع الأهواء حتى يكون الهوى بمثابة الإله المعبود لصاحبه ، إذ تأمره نفسه بالشر فلا يلبث إلا أن يستجيب (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً).

الاختيار والتسيير

مما لا يختلف عليه اثنان أن سكان الكرة الأرضية من بني آدم ينقسمون إلى قسمين كافر ومؤمن {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} التغابن 2 بل أنه في البيت الواحد قد تجد الصالح المستقيم والطالح المعوج رغم أن الاثنين نشأوا في نفس البيئة من نفس الأبوين والسؤال لماذا استقام من استقام واعوج من اعوج؟
عندما طرحنا هذا السؤال على مجموعة من المتدربين أتت الإجابات متباينة فمنهم من قال أن المستقيم قد قرأ القرآن بتدبر والآخر لم يقرأه بتدبر ومنهم من قال إن الأول قد تفكر في المصير والآخر لم يتفكر ومنهم من قال إن المستقيم قد هداه الله والآخر لم يهده الله ، فسألنا وهل القرآن حكر على أحد دون أحد أي لماذا تدبره البعض ولم يتدبره الآخرون وإذا كانت الهداية من الله فلماذا يهدي قوما وآخرين لا يهديهم ، أين العدل في ذلك مع علمنا أن الناس جميعا سواسية أمام الله {يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، ألم يرسل الله الرسل لكل الناس لهدايتهم؟ ألم ينزل إليهم كتبه للهداية؟ فإذن الاحتجاج بأن هذا قد هداه الله والآخر لم يهده دون معايير هو احتجاج باطل لا يليق بجلال الله الذي وضع موازين القسط {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} وأمر عباده بعدم تعديها {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ }.
إن المتأمل في القرآن الكريم والسنة المطهرة تأتيه الإجابة المحكمة لتزيل عنه كل شبهة فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وصبغه بفطرته محبا للخير عارفا لربه {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} وركب فيه الشهوات وزوده بالعقل وأرسل إليه الرسل بالمنهج القويم وسخر له كونا بأكمله يوصله لتعظيم خالقه وفقط أوكل إليه مسألة الاختيار للطريق التي يراها مناسبة له فهو أمام أن يختار البقاء على فطرته يرجو الله واليوم الآخر وإما أن يختار الطريق الآخر لإرواء شهواته المستعرة متمثلة كلها في زينة الحياة الدنيا (مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً) ، (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) وحيث إنه كان في علم الله أن معظم البشرية ستنساق خلف زينة الحياة الدنيا سابقهم المولى بأن للإنسان رزقه المكتوب من هذه الدنيا ولن يعطى الدنيا حسب أمنياته بل بمقدار {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى} وإن فتح له شيء منها فذلك ليصيبه العناء والنكد والعذاب خلف سراب ليس له منه إلا ما كتب {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} وأما من يكون اختياره الآخرة فستأتي الدنيا إليه وهي راغمة ولكن بشرط أن يسعى لها سعيها بعد الإيمان {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}.
وعلى حسب صدق الإنسان وإخلاصه في اختياره يسيره الله ويمهد له ليموت سعيدا أو شقيا وهذا الاختيار هي نية غيبية يملكها الإنسان ويسيره الله على وفقها ، فإن كانت النية الاستقامة على دين الله وابتغاء ما عنده سيرنا الله ويسر لنا طريق الخير {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ) ، {يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً ممَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إذ سيحبب لنا الإيمان ويزينه في قلوبنا ويكره لنا الكفر والفسوق والعصيان (وَلَـكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) وسيثبتنا بآياته {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ، {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}، وبجنوده {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
أما إن كان حب الدنيا وزينتها هو المسيطر فالتسيير والتيسير من الخالق سيكون إلى طريق الشقاء (فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) بإطلاق الشياطين لتزيين المعاصي والشهوات والتصاحب مع أخلاء السوء (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ) وهذا الصنف لا يعتد بأي خير قد يفعله إذ لا يتقبل الله إلا من المتقين ويوفيه الله أعماله بالنعم في الحياة الدنيا {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.