النهضة والتخطيط

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

«تحية صافية وكل عام وعمان قيادة وحكومة وشعبا وتاريخا وأرضا وحضارة بخير»

منذ أيام اجريت اتصالا لأغراض صحفية بالخبير السياحي المصري المقيم في لندن سمير تكلا، وهو مؤسس المجموعة البريطانية المصرية والتي تضم 54 عضوا من مجلسي العموم واللوردات. كنت أسأله عن خلفيات قرار الطيران البريطاني تعليق الرحلات إلى القاهرة لمدة أسبوع، وتطرق الحوار الى مواضيع شتى منها فترة عمله في سلطنة عمان التي لم أكن اعرف الكثير عن تفاصيلها. قال تكلا: إنه بعد أن غادر مصر في عام 1968، وأمضى مدة بلندن جاءه من يطلب منه أن يقوم بالعمل في السلطنة لفترة، وحين حل بذلك البلد، امتدت الفترة الى 19 عاما كان أهم ما قام به خلالها أنه تولى جوانب إشرافية على شؤون القصور السلطانية، وعاش بطبيعة عمله واقترب من الكثير من الشخصيات العامة والأحداث في السلطنة، ورأى بأم عينه من البداية تقريبا كيف حدث ما حدث من تقدم هائل في كل جوانب الحياة في السلطنة.
قطع تكلا الحديث ليطلب مني أن ندعو معا لجلالة السلطان قابوس بأن يمنحه الله دوما الصحة والعافية، ثم عاود فقال: إن كل حجر وشارع وحديقة ومدرسة ومستشفى وطريق ودار عبادة وجامعة ومبنى وميناء وشاطئ …الخ في ذلك البلد وراءه حكاية، وانه يصعب على الجيل الجديد أن يحيط علما أو يتمثل أو يلم بالطريقة التي نهضت بها عمان وبتلك السرعة، ولعل الاحتفال بمرور 49 عاما على نهضتها، يكون فرصة لإبراز واستخلاص الخبرات والعبر مما حدث ومناقشتها مع الشباب. يرى تكلا أن الدرس الأساسي الذي يجب أن تدركه الأجيال أن وراء كل ذلك تخطيط مدروس …متأن ومحكم ومحنك وشامل ومتواصل ومعه إصرار على أن يتم التنفيذ بنفس المستوى وبأسرع وقت. كان فوق كل ذلك رؤية شديدة التماسك والانسجام والاستبصار لما كان عليه الحال في 1970 وما يجب أن يكون عليه.
انتهى الحديث وهنا أشير أيضا الى أن التخطيط إرادة ومنهج وثقافة وأسلوب عمل وانه لا يخص المشاريع المادية فقط أو الأنشطة الاقتصادية الاجتماعية والثقافية بشكل عام ولكن أيضا أمور السياسة والاستراتيجيات. ولذلك لم تكن صدفة أن تأخذ السياسة العمانية ـ المخططة قصدا ووعيا – في الداخل والخارج هذا المسار المتوازن والمحسوب والإيجابي والشفاف والمبادر. وسأعود الى ذلك.
إن من غرائب التاريخ أن يكون يوم النهضة في عمان هو يوم الاحتفال بالعيد القومي في مصر عيد ثورة 23 يوليو 1952، وأن تكون الثورة هي التي أدخلت مصر الى عالم التخطيط بمعناه الحديث حيث أسست أول وزارة للتخطيط في المنطقة ومعها المعهد القومى للتخطيط والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والأخير لا غنى لأي خطة أو تخطيط عن مخرجاته الإحصائية عن السكان والإسكان والمنشآت والنشاط الصناعي والزراعي والخدمي. ويجرى التحضير حاليا للاحتفال بمرور 60 عاما على وضع أول خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر. والمعروف أن الخطة الخمسية الأولى في مصر – 1960 – 1965 – حققت معدل نمو غير مسبوق في المنطقة لكن نكسة يونيو 1967 قطعت تواصل العمل التخطيطي وقادت الى اعادة توجيه للموارد من اجل استعادة الأرض والكرامة.
المهم أن الدرس الذي يجب ألا يغيب عنا وليس فقط نتذكره باستمرار هو حتمية تواصل العمل التخطيطي وتحديث الفكر التخطيطي وتوظيف كل تطور تكنولوجي ومعلوماتي وإداري في جعل الخطط اكثر كفاءة وفاعلية. إن من غير المفهوم انه بدأت في مصر منذ 1970 – !!! – نزعات الى نوع من الإهمال للتخطيط والمتابعة تصاعدت شيئا فشيئا الى موجة من عدم الالتزام بالخطط بل والهجوم على التخطيط وأهله باعتبارهم شموليين، وظني أن مصر تدفع ثمن ذلك حتى الآن. لقد جرت محاولات تالية لإحياء المنهج التخطيطي منذ 1982 وصعدت الأمور وهبطت وصعدت خلال عقود، وفى إحدى المرات تم إلغاء اسم التخطيط من الوزارة المعنية وإبداله بـ(التنمية الاقتصادية)، ثم عاد الاسم مرة اخرى، كما سادت موجة تؤكد أن التخطيط يجب أن يكون تأشيريا لا إلزاميا وانتهت بعد سنوات. كما أنه تم في أوقات سابقة خاصة في بعض سنوات التسعينات النظر الى التخطيط كقيد وان من الافضل أن ترتفع راية هيئة الاستثمار عن راية معهد التخطيط القومى ووزارة التخطيط . بكل يقين أقول انه لا توجد أي دولة متقدمة ولا أي شركة كبيرة في العالم بلا خطة أو بلا استراتيجية طويلة المدى ترتكز على خطط متتابعة. وبكل يقين أقول انه لا يمكن للفرد ذاته أو الأسرة أو الكيان الاجتماعي أن يعيش بلا تخطيط بهذا الشكل أو ذاك ليومه ولما ستأتي به الأيام. من حسن الحظ أن مصر الراهنة أدركت انه لا يمكن بناء بلد حديث له مكانته الإقليمية والدولية ولشعبه قدر مناسب من الرفاه والطموح والأمل والاستقرار الاجتماعي دون تخطيط ولعل ما نسمعه عن المشاريع القومية الكبرى يؤكد ذلك.
ومن طرائف الدنيا انه يدور في مصر الآن نقاش جاد جدا حول تخطيط إدارة الموارد والقطاعات لتحقيق أعلى عائد منها في ظل شراكة حقيقية بين العام والخاص ومناسبة ذلك هو أن التنافس في مجال صناعة الأسمنت قاد الى انه يوجد في البلاد الآن طاقات إنتاجية تلبى احتياجات البلاد وتفيض بما يعادل اكثر من استهلاك دولة مثل إيطاليا، ما ترتب عليه ارتباك شديد في الصناعة وتوقف بعض المصانع أو الخطوط الى أن تجد الحكومة حلا عبر الحوار مع القطاع الخاص. ربما لم يتنبه القطاع الخاص الى أهمية التخطيط من قبل بمثل هذا الدرجة. الحقائق على الأرض أثبتت أن إهمال التخطيط يمكن أن يقود الى خسائر بعشرات المليارات من الجنيهات. سوف يتحتم على جميع الصناع في مصر من القطاعين العام والخاص أن يساهموا بجدية اكثر بعد ذلك في مناقشات الخطط السنوية وستأخذ عبارة الحوار المجتمعي حول الخطة مفهوما أعمق بكل تأكيد بعد أن كان هذا الأمر يتم بصورة اقرب الى الشكلانية منها الى النقاش الحريص الصادق.
أعود الى الأبعاد التخطيطية في عمان لأقول: إن الاستمرارية من اهم مقومات التراكم النهضوي الذي نراه في البشر والحجر معا. وقد يقول قائل إن اختلاف الأنشطة الاقتصادية وتعقدها وتنوعها الشديد وأنماط التعليم الجديدة مثل التعليم الدولي بما له أو عليه وتغير الثقافة بفعل العولمة رغم رسوخ التقاليد في عمان وغير ذلك من المستحدثات قد يخلق صعوبات في التخطيط بعد ذلك ورأيي إن التخطيط نفسه هو السبيل للتصدي لما هو ذي تأثير سلبي أو تعظيم الفائدة مما هو إيجابي وانه بالحوار الهادئ – كنهج السلطنة – يمكن أن تتحقق لرؤية 2040 نجاحات تماثل أو تفوق رؤية 2020.
ومع أن المجال في المقال للاقتصاد فلابد أن انوه الى أن بناء سياسة مخططة للتعامل مع دول الجوار ومع الإقليم ومع العالم الفسيح وفق الرؤية التي حددها السلطان قابوس والمبادئ التي تضمنتها توضح معنى التكامل التخطيطي في كافة مجالات حركة الدولة. رؤية ومبادئ منها عدم التدخل في شؤون الغير، ورفض أي تدخل في المقابل في شؤون عمان، ودعم استقرار منطقة الخليج و الأمن والسلم الدوليين، والحرص على الحوار والتواصل حتى مع المختلفين بل والتوسط النزيه لحل الخلافات بهدوء وتأن ونزاهة …والوضوح في التعامل السياسي مع كل الدول، فلا أجندات خفية هنالك والتفاعل الأمين مع المنظمات الدولية والإنسانية. كل ذلك وغيره كان مهما في ذاته وله أيضا انعكاسات واضحة على المسارات الداخلية كلها ومنها المسار الاقتصادي والتنموي . كل عام وبلادنا العربية في سلم وأمان ومنعة ونهوض وازدهار.