الدبلوماسية العمانية وصناعة السلام

على مدى قرابة خمسة عقود من مسيرة النهضة العُمانية الحديثة وبناء الدولة العصرية، فقد أصبح للسلطنة سياسة خارجية واضحة الملامح تتسم بالتوازن والحياد الإيجابي والتركيز على البعد الإنساني في العلاقات الدولية والسلم الدولي، وأن السلام والاستقرار لا يصنعه سوى تقريب وجهات النظر والحوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، يظل كذلك أمرا محوريا واستراتيجيا في هذه السياسة، وفي مقابله عدم السماح للأطراف الأخرى بالتدخل في الشأن الداخلي العماني.
هذه السياسة التي وجدت الاهتمام الكبير والرعاية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- كانت تضع في المقام الأول مصلحة الدولة والإنسان العماني وأن يعيش الشعب في أمان وسلام، وأن التكامل الإنساني والاقتصادي هو أقرب الطرق إلى التعايش في العالم المعاصر؛ فهو علامة المدنية والتحضر والإنسانية.
لقد بنت السلطنة رؤيتها للسياسة الخارجية اعتمادًا على تراث متراكم وإرث حضاري، ومن ثم تلك الرؤية العميقة لجلالة السلطان المعظم الذي عمل على التوفيق بين ذلك الإرث التاريخي ومعطيات الراهن بالنظر إلى العوامل الجديدة ومستجدات الحياة المعاصرة، وقد تكلل عن ذلك مفاهيم وقيم راسخة وثابتة من المبادئ التي تأسس عليها النهج العماني الذي يمكن الاصطلاح عليه بـ «دبلوماسية السلام».
يشير هذا المصطلح الذي يميز سياسة السلطنة بالعديد من المحاور التي تمت الإشارة إليها، ويمكن أن نوضحه بدرجة أكبر بأنه يدل على سياسة ترغب في التعايش الإنساني بين جميع دول العالم من خلال الاحترام المتبادل، والتعاون لأجل خير ومصلحة الجميع، بحيث يعرف كل طرف من الأطراف ما له وما عليه، ولا بد أن المستقبل دائمًا يكون للخيارات السلمية التي تقوم على البعد التكاملي في إنجاز المصالح من خلال الأمور ذات الاهتمام المشترك بين شعوب العالم.
لقد استطاعت «دبلوماسية السلام العمانية» أن تصبح اليوم علامة مميزة لسلطنة عمان، يشار إليها وترغب بعض الدول في الاستزادة منها معرفة، كما سبق أن أشار عدد من المسؤولين في دول عديدة، زاروا السلطنة أو تعرفوا سياستها من خلال النهج الواضح والملموس على صعيد الممارسة الواقعية.
إن هذا الطريق والمسار لم يتأسس إلا وفق إرادة سامية ونهج سديد عمل طوال العقود الماضية على أن يكون لعمان بصمتها الخاصة في الأدبيات الدولية في مجالات السياسة، وحيث كان جلالة السلطان المعظم -حفظه الله- يدرك تمامًا أن السبيل الوحيد للوحدة الإنسانية هو الإيمان بقوة التنوع وأن الاختلاف في الثقافات والأفكار والقيم لا يعني التشرذم، بقدر ما يشير إلى عناصر التلاقي الذي يمكن أن يتم من خلال الوعي بهذا الاختلاف.
اليوم يتجه العالم مع اقتراب عقد جديد إلى مساحات جديدة من تلمس الكثير من القضايا والأفكار، في ظل كمّ من الابتكار والتقنيات، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من مفردات باتت من صميم الثورة الإنسانية على كثير من ميراث الأمس في مواجهة تحديات وأسئلة المرحلة، ولا بد أن ذلك سوف يؤثر على تحديات السلام والأمن والدبلوماسية، والسلطنة تعي بكل ذلك وترسم دائمًا مسارها المدرك والواضح بالاستفادة من مجمل التجارب والمستجدات على الساحة العالمية.