المدلول الفلسفي والتاريخي للنهضة العمانية الحديثة

عماد البليك –

تكمل النهضة العمانية ومسيرة التطوير والتحديث في سلطنة عُمان اليوم، تسعة وأربعين عاماً منذ تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم في البلاد في مثل هذا اليوم من عام 1970م، وما بين تلك اللحظة التاريخية واللحظة الراهنة، ثمة زخم كبير من المنجزات التي تحققت على هذه الأرض من خلال العمل الدؤوب والإرادة والبرامج والخطط التي كان قائد البلاد المُوجِّه الأساسي لها عبر رؤية سديدة واستراتيجيات بعيدة المناظير، قامت على حكمة وإدراك لمعطيات عديدة استوعبت المكان والزمان.

لحظات مفصلية:

في تاريخ الشعوب والأمم دائمًا توجد لحظات مفصلية، يقف عندها الإنسان، ليضع الخط الفاصل بين زمانين، وبالنسبة لعُمان فإن الـ 23 من يوليو 1970 هو تلك اللحظة التاريخية والمستقبلية في الآن ذاته، ساعة يكون الماضي انعكاسًا لصورة المستقبل والعكس صحيح، وإذ يحدث ذلك من خلال بعد النظر والبصيرة والعميقة وتبصر الآفاق في إمكانية بناء الحياة الأفضل في الغد؛ حيث إن جوهر الفكر الإنساني يقوم على الرؤية والتأمل ومن ثم العمل على تحويل هذه الأفكار والرؤى إلى برامج عملية على أرض الواقع، بنقل الفلسفات والخطط والسرديات إلى تمثلات شاخصة على الواقع العملي.
لكي يحدث ذلك فقد سبقه عمل كبير بذله جلالة السلطان المعظم في سبيل استيعاب جوهر المكان والزمان.
بالعودة إلى الزمان فنحن وقتها، أمام فترة حرجة من التاريخ الإنساني والعُماني، كانت البشرية تعيش فترة الحرب الباردة والاستقطاب ما بين الشرق والغرب، وكان العالم العربي قد خرج من هزيمة عام 1967م، في أجواء سيطر عليها هاجس الإحساس بالقسوة على الذات والأحزان وربما الوهن، وكان العُمانيون من جهة أخرى يعيشون في واقع صعب، وكثير منهم خارج البلاد بحثًا عن لقمة العيش، نظر جلالة السلطان لكل تلك الأرضية من المعطيات وربط بينها ومستحضرات المكان من حيث التوقعات والآمال، معتمدًا في المقام الأول على سيرة التاريخ العماني الثري والزاخر بالقصص والمنجزات والحضور في خرائط العالم، وكان يتأمل سيرة أجداده البوسعيديين لاسيما سيرة رجل مثل سعيد بن سلطان الذي استطاع أن يرسخ اسمه في التاريخ في القرن التاسع عشر الميلادي، ووقتها كان لعمان مجد وقوافل تجوب البحار شرقًا وغربًا، ووصلت السفن العمانية إلى مدينة نيويورك عام 1840 في أول بعثة عربية جمعت بين الطابع التجاري والدبلوماسي، ورسالة التسامح والتنوع والإخاء.

الأرض والتاريخ:

غير أن جدلية الأرض والمكان والزمان والتاريخ في المسار العُماني هي أعمق من ذلك بكثير جدًا، لا يمكن أن تحتويها مجرد سطور؛ فهي مليئة بالعبر والتجليات التي يمكن التوقف عندها لاستخلاص الكثير من الدلالات والمعاني، وهنا سوف يكون بارزًا لنا تصور مشرق عن إمكانية رؤية الجسارة والقدرة على مجابهة التحولات والمتغيرات، في المكان، وسيرة الإنسان في تلك العلاقة التجاذبية والبحث عن المعنى وابتكار الهوية؛ حيث إن الهوية العمانية تتشكل من خلال جملة هذه الأمور التي تعمل بشكل تشابكي معقد عبر قرون طويلة من الإرث التاريخي وتراكم الخبرات والسرديات الإنسانية.
لقد حمل العمانيون قصتهم إلى العالم، مثلما سمحوا بكل محبة للعالم بأن ينسج قصته من خلال الحوار والتعايش الأخوي عبر القرون.
ومن هنا فقد كانت قراءة البيئة والمكان والبحر والساحل والجبل، وكل هذه المفردات ذات مدلول كبير في فهم مجمل الصورة، التي تمضي بعيدًا إلى عصور قديمة جدًا في نسيجها المتشابك؛ فالعمانيون أنتجوا تراثًا متعدد المشارب حمل سمات التنوع والتعايش والبعد الإنساني في تجسيد فسيفساء المعنى من خلال التنوع وأخذ الوحدة من خلال مختلف الصور التي تعمل في لوحة واحدة، تجسدت في معطى الدولة العمانية الحديثة والمعاصرة، بمعنى أنه يمكن القول بأن عمان الحديثة هي نسيج ذلك التاريخ في تلاقحه مع مداليل أكثر حداثة في العصر الإنساني الجديد، ابتداء من منتصف القرن العشرين وما قبله من تراكمات السنين وآثارها التي تشكل في المقام النهائي سيرة لأثر عظيم وطود تليد من القدرة على التماسك والعمل والالتزام باتجاه ذلك التاريخ وقصة الحاضر.

دلالات النهضة:

لقد استطاع جلالة السلطان قابوس المعظم -حفظه الله- أن يمزج كل هذه التصورات والمعطيات في صيغة واحدة ومشروع محدد اسماه جلالته بـ (النهضة)؛ حيث إن الكلمة لها مدلول واضح ومعين يتعلق بالبناء والنمو والسير إلى الآفاق البعيدة في استشراف الآمال ورسم صورة المستقبل الأفضل، لكن كلمة نهضة -هي- في معنى ثانٍ لها مدلول فلسفي كبير يتعلق بالتمازج والتلاقح بين القيم المادية والروحية، بين هيئة التاريخ وسيرة المكان، بين الأخلاق والقيم والتراث في مقابل العصر والحداثة والتطوير والمتغيرات، هذا السياق التوازني كان لا بد منه لإنجاز هذا المشروع العصري، الدولة الحديثة.
وإذا كانت المشاريع الناجحة تبدأ بتصورات، فإن ما هو أقوى من ذلك أن تكون ثمة حكمة كبيرة أو قيمة رسالية رائعة يستند عليها في المضي إلى الأهداف، وهو ما كان قائمًا وبنيت عليه رسالة النهضة العمانية؛ إذ إن جلالته طالما أكد أن مشروعه يرتبط بالرسالة أكثر من السلطة؛ لأن الرسالة كلمة عميقة تجمع العديد من المعاني المتعددة التي تصب في خاتمة المعاني في التأويل المنفتح لإمكانية أن نرى الإنسان رائدًا للحياة الجديدة والتحضر والمدنية.

السرديات المتعددة:

إن الحديث عن المنجزات والمشاهد على الواقع في عمان اليوم، حتى لو جاءت على طابع الإحصاء الرقمي والشواخص في البنيان، فإن الوعي الحقيقي لها يتم من خلال فهم الجذور والمعاني الدفينة التي نسج عليها هذا العمل العظيم.
فتأمل الصور الخارجية لا يعطي مجمل البيان؛ حيث وراء كل صورة قصة أعمق وسردية لا بد من تحليلها بدقة للوصول إلى الرؤى العميقة والاستنادات التي هي أبعد من التمظهر، وهذا طابع الرسالة الإنسانية ذات المدلول والعمق والهدف في أنها لا تقوم على التطور الشكلي، إنما الحفر العميق في تربة الأمس ومن ثم غرس المعاني الجديدة؛ ليتصل الأمس بالحاضر، ومن ثم تكون صناعة المستقبل لكل الأجيال.
إن الحديث عن النهضة العمانية يتضمن سرديات متعددة لا يمكن أن تُروى في مسار واحد؛ حيث داخل كل مسار تكمن قصة أخرى، فهناك قصة الإنسان وقصة الأرض وقصة المنجزات وقصة الاقتصاديات وقصص المعاني الاجتماعية والوحدة والوطنية.. هناك تعزيز الهوية الوطنية، وربط ذلك بالمعاني السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وهناك سيرة لبلد يتصل مع العالم بكل إخاء، بحيث يكون الداخل والخارج في صلة لا تتجزأ، ولكي نفهم كل ذلك يجب أن نربط بين القراءة والمعايشة؛ فسلطنة عمان ليست من الدول التي يمكن أن تفهم بمجرد خط واحد من الوعي أو القراءة، فثمة تاريخ متصل ما بين الأمس واليوم، وهناك معانٍ متعددة تُحكى في العصر الحديث لدولة العصر.