الدولة العصرية ورؤية القائد

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

اليوم هو يوم النهضة المباركة التي قادها باقتدار ورؤية واضحة جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- نحو إيجاد الدولة العصرية، ومنذ الخطاب الأول يوم 23 يوليو عام 1970، ومن هنا كان هذا الوعد بإقامة الدولة العصرية هو الحلم الذي تحقق لأبناء عمان، ونحن نشاهد هذا المنجز الوطني رؤية العين من خلال دولة حديثة، دولة المؤسسات والقانون يتسم نظامها السياسي بالواقعية السياسية ومبادئ ثابتة جعلت السياسة الخارجية نموذجا ساطعا في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

23 يوليو من عام 1970 هو يوم استثنائي في تاريخ عمان الحديث وها هي الذكرى رقم 49 المجيدة تحل اليوم على هذه الأرض الطيبة وشعبها الكريم، حيث أصبحت بلادنا واحة للأمن والاستقرار والانطلاقة نحو مزيد من التنمية والبناء في كل مجالات الحياة العصرية، وأصبحت البنية الأساسية على وشك الاكتمال من خلال تنفيذ الخطط الخمسية، التي بدأت منذ منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي، وقد تحققت تلك الرؤية نحو عمان الحديثة بجهود كبيرة وتضحيات مقدرة وكانت هناك تحديات وعقبات ومع ذلك كانت رؤية جلالة السلطان المعظم واضحة وجلية وتنطلق من إيمان عميق بأن عمان تستحق أن تكون في مقدمة الركب الحضاري خاصة وأنها ذات تاريخ عميق وحافل بالإنجازات الإنسانية في الشرق والغرب على حد سواء.

يوم النهضة:

23 يوليو هو يوم غير مجرى التاريخ الحديث للسلطنة، ولا شك أن الرجوع إلى الصورة إعلاميا من خلال الصحف والأفلام القديمة يجعل الإنسان أمام مشهدين مختلفين على مستوى الإنسان، وهو الأهم، وعلى مستوى المكان الذي تغيرت ملامحه تدريجيا خلال العقد الأول من السبعينات من القرن الماضي، موحيا بأن ملامح الدولة العصرية التي تحدث عنها جلالة السلطان المعظم في خطابه الأول عام 1970 سوف تصبح حقيقة واقعة، وها هي اليوم السلطنة تنطلق بثقة كبيرة من خلال شعب آمن بسلطانه وفكره المستنير ورؤيته العميقة نحو إيجاد دولة عصرية يمتزج فيها المشهد الحديث مع تاريخ وعادات وثوابت راسخة من التسامح والثقافة الأصيلة والاهتمام بالعلم والمعرفة؛ ليتشكل بذلك إنسان عماني يتواصل مع الآخر بكل اقتدار، من خلال القيم النبيلة التي تفتح الحوار والتعاون وتوطيد السلام مع الأمم والشعوب الأخرى، وأصبحت عمان بإنسانها وتاريخها الحديث والقديم محل احترام كبير من دول العالم.
يوم النهضة المباركة والوطن يحتفل اليوم من أقصاه إلى أقصاه يعطي معنى جميلا للأجيال الجديدة التي رأت مشهد الدولة العصرية وهي تتحقق التفوق العلمي من أرقى الجامعات في العالم، وتسهم بإيجابية في بناء الوطن اليوم، وفي المستقبل ويعول عليها في مزيد من الانطلاقة نحو تحقيق الأفضل لبلادهم.

الرؤية الجديدة:

ما تحقق على أرض الوطن العزيز خلال 49 عاما هو مبعث فخر لكل العمانيين، وهذه الدولة العصرية التي تحققت جاءت بجهد كبير كما تمت الإشارة وفق رؤية سديدة من القائد -حفظه الله- الذي جاب بسيارته وديان وصحاري عمان وأشرف على تحقيق ذلك الحلم حتى تحقق مفهوم الدولة العصرية التي ركزت على الإنسان قبل المادة لأن الإنسان في النهاية هو صانع الحضارة، ومن هنا كان التعليم هو الشغل الشاغل لجلالته -حفظه الله- من خلال تشييد المدارس في طول البلاد وعرضها وتوفير كل السبل لإيصال العلم والمعرفة لكل أبناء عمان في المدن والقرى والأرياف والصحاري على امتداد رقعة عمان الواسعة.
كما كان للجانب الصحي نصيب كبير من الاهتمام؛ حيث انتشرت المؤسسات الصحية في كل مكان على أرض الوطن ويعد مرفقا التعليم والصحة من المرافق التي استحوذت على الاهتمام؛ لأنها تدخل في إطار الاهتمام الأكبر بالإنسان صانع التنمية، ومن هنا فإن رؤية عمان 2040 تركز على القطاعات الحيوية في مجال الخدمات واللوجستيات والسياحة والأسماك وغيرها، ومن المهم إيجاد الأجيال ذات الفكر المتعمق، والتي تستطيع أن تتعامل مع مفردات تلك الرؤية المستقبلية التي يعول عليها في تطوير السلطنة في مجال التنمية المستدامة التي عرضتها السلطنة مؤخرا في الأمم المتحدة من خلال الملتقى السياسي في نيويورك.
إن السلطنة وهي تحتفل اليوم بيومها التاريخي الذي غير ملامح الوطن نحو البناء والتنمية والتحديث أمامها فرص واعدة على صعيد الموارد الطبيعية، وأيضا وجود الإنسان المتعلم الذي يعول عليه في المشهد الوطني خلال سنوات النهضة القادمة في ظل وجود الخطط والمناطق الاقتصادية وخاصة منطقة الدقم الاقتصادية التي تعد قاطرة عمان الاقتصادية من خلال رؤية شاملة ومتكاملة.

الوحدة الوطنية:

من المكاسب الكبيرة التي تحققت لبلادنا خلال سنوات النهضة المباركة تحقيق الوحدة الوطنية والتحام العمانيين في بوتقة واحدة والاتجاه نحو بناء الوطن، وهو الأمر الذي عجزت عنه الكثير من الدول في عصر ما بعد الاستقلال، وهناك اليوم بعضها تعاني من المشكلات والنعرات والتقسيم وغيرها من القضايا الطائفية والمذهبية، ولا شك أن جلالة السلطان المعظم تنبه إلى هذه المسألة الحساسة وأوجد مجتمعا منسجما تسوده روح المواطنة والمحبة بين أبنائه والطموح نحو تحقيق الأفضل لبلاده.
وعلى ضوء تلك العوامل ومع احتفالات اليوم بيوم النهضة المباركة تتوحد الكلمة والشعور بحب الوطن ويتغنى الجميع بما تحقق من مكاسب كبيرة على أرض الوطن العزيز من أقصاه إلى أقصاه وتواصل السلطنة جهودها في بناء اقتصاد متعدد الموارد وعدم الاعتماد على مورد وحيد، وهناك خطط في إيجاد التنويع الاقتصادي في ظل ما تتمتع به البلاد من موقع استراتيجي مهم على البحار المفتوحة، وفي ظل مناخ السلام والأمن الذي تتمتع به السلطنة، ومن خلال شبكة علاقات إيجابية واسعة مع مختلف دول العالم. وفي ظل هذا التماسك الاجتماعي وفي ظل الوحدة الوطنية وفي ظل تلك العلاقات المميزة مع دول العالم فإن تحقيق الرؤية الاقتصادية سوف يشكل نقلة كبيرة في مجال تلك الرؤية المتوسطة والبعيدة، ونقصد هنا الخطة الخمسية التي سوف تبدأ في العام القادم وأيضا رؤية عمان 2040 من خلال البرامج والخطط الطموحة التي تتواصل من خلال برامج محددة تشرف عليها وحدة تنفيذ في عدد من المجالات الإنتاجية وأيضا في ظل صدور عدد من القوانين المحفزة للاقتصاد الوطني في مجال الاستثمار الأجنبي والشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص وأيضا قوانين التخصيص والإفلاس.

السياسة الخارجية:

إذا تم الحديث عن السياسة الخارجية فإن المرء يفخر بتلك السياسة الرصينة والموضوعية التي جنبت بلادنا خلال العقود الماضية المشكلات والصراعات التي مرت بها المنطقة والعالم، وقد جاءت هذه السياسة الحكيمة حصيلة رؤية ثاقبة ومستوعبة لكل الظروف المحيطة من قبل قائد النهضة العمانية الحديثة الذي استلهم عاملي التاريخ والجغرافيا وأيضا القراءة الصحيحة والمتعمقة لأحداث المنطقة والعالم.
إن السياسة الخارجية للسلطنة هي النموذج الأبرز في منطقة الشرق الأوسط، ويأتي ذلك من خلال حساسية الموقع الجغرافي ومن خلال تجارب تاريخية عاشتها السلطنة وبالتالي فإن للسلطنة تجربة ثرية، مما جعل تلك التجارب مخزونا واقعيا أخذت منه السلطنة العبر والتجارب ومن خلال تلك العوامل رسم جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- ومنذ اليوم الأول للنهضة العمانية الحديثة ملامح تلك السياسة بل تحدث عنها في خطابه الأول وما تلاها من خطب وكلمات داخل السلطنة وخارجها.
إن المبادئ الراسخة لسياسة السلطنة الخارجية جعلت منها نموذجًا ناجحًا يقترب من نصف قرن، وهي ظاهرة تستحق التأمل والدراسة في مجال العلاقات الدولية التي تتسم اليوم بالتعقيد والمشكلات واليوم نراها رأي العين في منطقة الخليج وأجزاء أخرى من العالم، وهذه السياسة الواقعية رسمت صداقات للسلطنة في كل قارات العالم، ولم يشارك أي عماني في عمليات الإرهاب وأصبحت الخصومات صفرا ولا يزال العمانيون يتذكرون جلالته وهو ينظر إلى خارطة العالم وهو يتحدث عن أهمية أن تكون عمان صديقة للجميع، وقد تحققت تلك الرؤية العمانية من خلال آليات وأدوات وثوابت راسخة لتلك السياسة الموضوعية التي تنحاز دوما للحق والإنصاف والحوار والتعاون وحل المشكلات بالطرائق السلمية والدبلوماسية.
وفي هذا اليوم المجيد يوم النهضة المباركة نقول حفظ الله عمان وسلطانها وشعبها؛ لتظل عمان واحة للسلام مواصلة دورها لإطفاء نيران الحروب والصراعات في المنطقة وأن يعمل أبناء عمان على الحفاظ على الوطن ومكتسباته والذود عن حماه بكل غالٍ ونفيس، حتى يبقى الوطن العزيز شامخا وكبيرا معتزا بثوابته الوطنية والعربية والإسلامية ومواصلا دوره نحو تحقيق السلام بين شعوب المنطقة وفي العالم.