سياسة التنويع الاقتصادي والمرحلة المقبلة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

لا ينكر المرء الجهود الخيرة التي بذلت خلال السنوات الماضية من عمر النهضة المباركة لتصل البلاد إلى هذا المستوى من التقدم الاقتصادي والاجتماعي بين الدول الأخرى في العالم، في الوقت الذي تواصل فيه مسيرتها التنموية التي بدأتها في منتصف السبعينيات عندما تم تأسيس أول مجلس للتنمية في عام 1975 برئاسة حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه.

ومنذ ذلك اليوم كان مبدأ التنويع الاقتصادي يلازم تلك المسيرة حيث ارتكزت أهداف المجلس حينها على استغلال الثروة النفطية لتحقيق الغايات المنشودة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، مع ضرورة الاستفادة من هذه الثروة للأجيال القادمة، والعمل على تطوير الكوادر البشرية والإسراع في عملية التنويع الاقتصادي من خلال استغلال جميع المقومات الاقتصادية للبلاد، بجانب الثروة النفطية.
ولا شك أن تلك المبادئ التي وضعت منذ منتصف عام 1975 عملت على تمكين الدولة من تحقيق عدد من أهداف التنمية التي حولت السلطنة إلى مصاف الدول التي تتمتع بالمقومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية. فتجربة التنمية العمانية مرت بعدة مراحل أساسية، أهمها المرحلة الأولى التي امتدت من 1970 إلى 1975، وهي التي تم التركيز فيها على الحاجات الملحة للمواطنين كالتعليم والصحة ومشروعات المياه والكهرباء وشق الطرق الحديثة وبناء الموانئ الجوية والبحرية، والإسكان، والاهتمام بتأسيس وتنظيم الجهاز الإداري ووضع التشريعات والخطط المساعدة على استقرار الوضع الاقتصادي وتعزيز دخل الفرد بما يتناسب مع الدخل الذي حصلت عليه السلطنة من القطاع النفطي الذي ما ما زال يمثل المورد الرئيس للإيرادات، وعاملا مهما في تأهيل العمانيين للعمل في مختلف المجالات المتاحة.
ومع احتفال السلطنة بيوم النهضة المبارك الذي يصادف 23 يوليو من كل عام، فان الخطابات التاريخية الأولى لجلالة السلطان المعظم ورؤيته المستقبلية لتطوير اقتصاد البلاد وتحقيق التنمية الشاملة ما زالت ترن في إذن كل مواطن عندما أكد جلالته في خطابه في العيد الوطني الرابع عام 1974 قائلا: «إننا نجند كل الطاقات من اجل النهوض بمستوى الفرد وتنمية موارده ووعيه اقتصاديا مع ضرورة استغلال كافة الموارد الاقتصادية في البلاد والتي تشكل عاملا هاما في المرحلة المقبلة من أجل تحسين دخل الفرد وارتفاع مستواه الاقتصادي». وتكرر الخطاب في العالم التالي 1975 ليؤكد على نفس تلك المحاور متناولا جلالته أهمية الثروات الموجودة في البلاد وخطة استثمارها اقتصاديا قائلا: «إذا كانت عائدات النفط هي المصدر الرئيسي لدخلنا في الوقت الحاضر فإننا ندرك أن لدينا مصادر أخرى وفيرة لا بد من استثمارها لندفع عجلة التنمية والتطور بالسرعة التي نرجوها لهذه البلاد» الأمر الذي يعني في فكر جلالته أهمية استغلال بقية الثروات بجانب الثروة النفطية التي تشكّل جميعها اليوم محاور مهمة في تنمية الاقتصاد. وإذ نحتفل اليوم بيوم النهضة الـ 49 المباركة، فإننا على يقين بأن السلطنة قد قطعت خلال السنوات الماضية شوطا كبيرا في مسيرة نهضتها التنموية، معتمدة على سواعد أبنائها في الدرجة الأولى، وعلى أيدي الخبرات العربية والأجنبية التي ساهمت في تعزيز مختلف أوجه التنمية. ولا شك بأن جميع تلك الجهود التي بذلت كان هدفها التركيز على الإنسان الذي كان وما زال يعتبر هدف التنمية وغايتها من خلال توفير فرص التعليم والتدريب والتأهيل له، وارتقائه للحصول على العمل المناسب في ظل الصعوبات والتحديات التي تواجه الخطط التنموية أحيانا.
إن السلطنة رغم هذه التحديات، فإنها ماضية في خططها وبرامجها التنموية مع تركيزها على القطاعات الاقتصادية المهمة لإنجاح سياسة التنويع الاقتصادي، وتحقيق مزيد من الرخاء للمجتمع والاستدامة في تحقيق النمو الاقتصادي، وتوفير مزيد من فرص العمل للعمانيين لرفع مستوى المعيشة في مختلف المحافظات. كما تعمل في الوقت نفسه على تعزيز نسب الاستثمارات الموجهة إلى المشروعات المفيدة للدخل، وتوزيعها جغرافيا لتعود المنفعة على كل المحافظات، والعمل على مضاعفة دخل الفرد مع خلال إيجاد التوازن بين الإيرادات والاستخدامات، وتهيئة الظروف الملائمة للاقتصاد الوطني وتنويع مصادره.
ويعتبر العام القادم آخر سنة للرؤية الاقتصادية للسلطنة (عمان 2020) التي انطلقت عام 1995، حيث استهدفت هذه الاستراتيجية منذ اليوم الأول إرساء الدعائم الأساسية لاستدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، والارتقاء بخدمات التنمية البشرية، وتبني البرامج الوطنية لتعزيز التنويع الاقتصادي بالبلاد، مع سعي الجهات الحكومية المعنية بالاستفادة من توظيف أفضل التجارب والممارسات الدولية الناجحة في مجال تنفيذ الخطط التنموية من قبل بعض الدول التي سبقتنا في خططها، والعمل على تنمية القطاعات غير النفطية التي تمكّن الحكومة والقطاع الخاص من الاعتماد عليها في المستقبل.
إن السلطنة قد مرت بعدة مراحل في تحقيق التنمية منذ عام 1970 وحتى اليوم، حيث كانت البلاد تفتقد إلى الكثير من مظاهر التنمية الحديثة، إلا أنها وبفعل تلاحم أبنائها وبمواصلة العمل الدؤوب حققت الكثير خلال السنوات الماضية من عمر نهضتها الحديثة. فعمان تعتبر من أوائل الدول التي قامت بإعداد الرؤى الاقتصادية المستقبلية لها إن لم تكن الأولى بين دول المنطقة الخليجية عندما أعلنت عن رؤيتها الاقتصادية (عمان 2020) في عام 1995، فيما تم في ديسمبر من عام 2013م تشكيل اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية (عُمان 2040م) التي تستهدف إعداد خطط جديدة للمرحلة المقبلة، وبمشاركة جميع شرائح المجتمع، مع التركيز على المورد الأهم وهو العنصر البشري الذي يمثّل المورد الرئيسي في تخطيط أي مشروع تنموي. فمرتكزات الرؤية المقبلة (عمان 2040م) تتضمن تحديد الفرص المتاحة والاستغلال الأمثل للمزايا النسبية وأهمها الموقع الجغرافي الهام للسلطنة، بجانب استغلال كل قطاع اقتصادي آخر يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الدخل القومي، مع التأكيد على أهمية التوزيع المتوازن للتنمية في المحافظات العمانية بما يتناسب مع حجم واحتياجات كل محافظة. فهذه الرؤية تؤكد على ضرورة المحافظة على الموارد المالية بقدر الإمكان لضمان نجاحها، خاصة في المشاريع التي تهم المؤسسات الحكومية، والشركات المملوكة للحكومة، وصناديق الاستثمار، وصناديق التقاعد، والهيئات والمؤسسات الحكومية بجانب القطاع الخاص. كما تعطي الرؤية حافزا قويا للقطاع الخاص ليظل محورا رئيسا في أي تخطيط مستقبلي في ظل الظروف والتحولات والمتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم على كافة الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وفي ظل التطورات المتسارعة التي تنقل العالم من حقبة إلى أخرى. وهذا الأمر هو الذي يدفع السلطنة بأن تكون حريصة على مواجهة التطورات والتغيرات التي يشهدها العالم بطرق مختلفة منها التنافسية بين الدول، والتركيز على الواقع المستقبلي، وتحقيق الجاهزية للتحديات المقبلة، بجانب استثمار جميع الفرص المتاحة لتحقيق التنمية التي تسعى إليها، مع ضرورة تسهيل فرص التشغيل للأجيال المقبلة، والقضاء على التحديات والبيروقراطية التي تعاني منها بعض المؤسسات الحكومية لتمكين الأجيال المقبلة في الأعمال المتاحة، والعمل على إيجاد مؤسسات نزيهة تحقق مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون، وتحسين جودة الخدمات وسرعة إنجازها في الموعد المحدد. إن السلطنة تتابع اليوم كل الوسائل والطرق التي يمكن من خلالها إعادة هيكلة الاقتصاد، وتمكين القطاع الخاص العماني بلعب دور أكبر في العملية التنموية، وإفساح المجال لمؤسسات المجتمع المدني لتساهم في رفاهية المواطن، مع إعطاء اهتمام خاص لإعادة هيكلة النظام التعليمي والنظام الصحي، وحماية المرتكزات الاجتماعية، والمحافظة على البيئة وغيرها من القضايا الأخرى.