جدلية النمو الاقتصادي والتنمية الإنسانية والمؤسسة السياسية

د.صلاح أبونار –

انطلقت مسيرة النهضة المباركة بقيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- في مواجهة تحديات جسيمة وصعبة. فلقد كانت تنطلق في مواجهة واقع داخلي عانى لعقود من العزلة عن العالم الخارجي والصراع الداخلي والضمور الوظيفي والمؤسسي للدولة. وكان من شأن هذا الواقع أن يدخل في تناقض حاد مع حقيقتين تاريخيتين، ساهمتا في توليد قوة دفع سياسية واجتماعية هائلة لمسيرة النهضة.

سنجد الحقيقة الأولى في إرث التاريخ العماني. دولة قديمة وراسخة امتدت حدودها السياسية صوب آسيا وإفريقيا، وعرفت موانئ آسيا التجارية الكبرى سفنها وبحارتها وجالياتها التجارية الدائمة، وشهد التاريخ على عمق واتساع مساهماتها السياسية والفكرية في الحضارة الإسلامية في مراحلها التأسيسية. وكان من شأن تلك الحقيقة أن تجد إحساسا باتساع المسافة بين الواقع المعاش والميراث التاريخي، ولكن نفس الحقيقة وجدت معها طاقة حركية هائلة تسعى لتتخطى تلك المسافة، يصاحبها الوعي والثقة في امتلاك أصول القدرة الذاتية المؤهلة لهذا التخطي.
وسنجد الحقيقة الثانية في التيارات المشكلة للواقع العربي والعالمي المعاصر لانطلاقة النهضة. سيطرت على هذا الواقع سمات أساسية، تمثلت في الدولة التنموية عبر أشكالها الثلاثة: دولة الاشتراكية في المعسكر الشرقي، والدولة القومية الراديكالية في العالم الثالث ودولة الرفاه الاجتماعي في أوروبا الغربية. وفي النماذج الثلاثة سنرصد مركزية دور الدولة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، وسياسات التعبئة والهندسة الاجتماعية. وبالتوافق مع الدولة التنموية، وعبر صيغ وأشكال مختلفة ظهرت سمتان أخريتان، هما: التخطيط الاقتصادي كاستراتيجية لدفع النمو ومواجهة التخلف، وسياسات الرفاه الاجتماعي أو التنمية الإنسانية واسعة النطاق، في مجالات التعليم والصحة والإسكان والمرافق العامة. ولقد كان من شأن هذا العالم المعاصر أن يمنح المسيرة العمانية قوة دافع للتغيير والاندماج في التيارات التاريخية المعاصرة، وخبرات تاريخية صالحة للاستلهام في صورة أفكار ومؤسسات وسياقات تنموية، ومادة صالحة للتدبر في حدود الخبرات الأيديولوجية المطروحة، بما يتيح الوصول لخيارات متوازنة وتجنب أخطاء التجارب الأخرى.
ثم جاءت ثورة أسعار النفط في أعقاب حرب أكتوبر 1973، لكي توفر لمسيرة النهضة العمانية التي انطلقت في 23 يوليو 1970، الموارد المادية القادرة على مساندة رؤى الإرادة الوطنية وخططها التنموية الوليدة. ولكن تدفق الريع النفطي لم يمارس في عمان نفس تأثيره في بقية دول الخليج العربي. يمكننا القول أن تدفق الريع النفطي مارس في عمان دورة عبر عدة توسطات، كان لها دورها في تشكيل وإدارة السياسات الاقتصادية. محدودية حجم هذا الريع قياسا على حجمه في الدول الأخرى، وحداثة اكتشاف النفط وبالتالي محدودية التراكم المالي الناتج عنه، واتساع القاعدة الاجتماعية العمانية ومعها ارتفاع الطلب على الخدمات الاجتماعية. وكل تلك التوسطات فرضت قدرا هائلا من حسن التخطيط التنموي والتدبر السياسي وقرارات إنفاق الموارد.
ويمكن لنا تحليل حركة مشروع النهضة العمانية، على ثلاثة مستويات أساسية: النمو الاقتصادي، والتنمية الإنسانية والمؤسسة السياسية.
سعت سياسات النمو الاقتصادي إلى المضاعفة المطردة للناتج القومي، وحققت بالفعل وفقا لتقديرات البنك الدولي نجاحات لافتة. ارتفع إجمالي الناتج القومي المحلي من63.287.594 مليون دولار عام 1965، إلى 66.293 بليون دولار عام 2016، محققة معدل نمو سنوى8.8% فيما بين 1967 و2007. وتنوه معلومات البنك أن 13 دولة فقط في العالم تمكنت من تحقيق هذا المعدل. وفي سياق هذا النمو وفقا للتقديرات الرسمية ارتفع نصيب الفرد العماني من الناتج القومي، من 158 ريالا عام 1970 إلى 2477 ريالا عام 1995، أي بمعدل 11.65 سنويا.
ولكن إذا أردنا الإمساك بالدلالات الكاملة لهذا النمو علينا أن نضعه في إطار استراتيجيات النمو القطاعية المصاحبة: التنويع، وتطور البني التحتية، وتنمية الصناعات الوسطى والصغيرة، والتعمين. وفقا لتقديرات رسمية مقارنة بين عامي 1995 و2015، انخفضت مساهمة الأنشطة النفطية في إجمالي الناتج القومي من 65.5% إلى 39.6%، وارتفع مساهمة الأنشطة غير النفطية من 34.5% إلى 60.4%. وشهدت البنى الأساسية تطورات هائلة. في عام 1970 لم يكن في عمان بنية أساسية تُذكر، ولكن عندما نصل إلى عام 2011 سنجد أن أطوال الطرق المرصوفة وصلت إلى 29.685 كيلومترا، وكمية مياه الشرب إلى 53.266 جالون يوميا، وأطوال شبكات الصرف الصحي إلى 38.583 كيلومترا، وإنتاج الكهرباء إلى 24.982 جيجا وات. كما اتسع مع الوقت نطاق المنشآت المتوسطة. وفقا لأرقام رسمية عمانية، وصل عدد المنشآت الصناعية المتوسطة والكبيرة إلى 701 منشأة عام 2012 يعمل بها 71.334 عاملا. وإذا اعتبرنا المنشآت المتوسطة هي التي يعمل بها من 10 إلى 50 عاملا، سيكون عددها وفقا لذات الأرقام الرسمية 416 منشأة، وبالتالي ستكون الغلبة لها. وإذا نظرنا إلى سياسات التعمين سنجدها حققت نجاحات بارزة لكنها متفاوتة. ففي القطاع العام وصلت معدلات التعمين وفقا لمستهدفات رؤية عمان 2020 إلى82% عند نهاية 1997، بينما كان المستهدف 72% فقط. وتقدم التعمين في القطاع الخاص، ولكن بمعدل دون المستوى المأمول، وإن وجدت قطاعات حققت فيه نجاحات لافتة مثل المصارف العامة التي حققت تعمين -بعضها- نسبة 92.5%.
سعت سياسات التنمية الإنسانية إلى بناء وتطوير قدرات الإنسان العماني، وحققت إنجازات ضخمة في مجالات الصحة والتعليم والمرأة.
في مجال الصحة لدينا مؤشرات تقدم مذهلة. ارتفع متوسط عمر العماني من 47 عاما في عام 1967 إلى 78 عاما في السنوات الأخيرة. ولا تتوفر لنا أرقام موثقة حول معدلات الوفاة في مطلع النهضة، ولكن من المؤكد أنها كانت مرتفعة. وإذا وصلنا لعام 1990 وجدنا معدل الوفاة 7.6 لكل ألف شخص، وانخفض إلى 2.5 لكل ألف عام 2005. وفيما بين 1990 و2014 انخفض معدل وفيات الأطفال بنسبة72.3%، ووفيات الرضع بنسبة 72.8%.
وفي مجال التعليم حققت التنمية الإنسانية مؤشرات فائقة الارتفاع. من المعروف أن عمان في 1970 كان بها 3 مدارس ابتدائية فقط، يدرس بها 900 طالب، دونما وجود لأي مدارس في المستويات الأعلى. ولكن في عام 2017 سنجد في عمان 1809 مدارس يدرس بها 770.481 طالبا، وصلت معدلات التحاقها في صفيها النهائيين 11-12 إلى96.7% للذكور و96.4% للإناث. وفي عام 2014 -2015 الدراسي وجد في عمان 69 مؤسسة جامعية عليا، وصل إجمالي الطلاب المقبولين فيها خلال نفس العام إلى 34.008، وإجمالي المقيدين في صفوفها إلى 131.760 طالبا.
وحقق وضع المرأة العمانية معدلات تقدم عالية ولكن بشكل متفاوت. اكتسبت العمانية نفس حقوق الرجل في مجالي التعليم والعمل. في مجال التعليم يتطابق الحق القانوني مع الواقع العملي. في العام الدراسي 2009 – 2010 كانت نسبة الإناث إلى الذكور في التعليم الأساسي 49%، والمرحلة الابتدائية 50%، والإعدادية 49%، والثانوية 48%.
ولكن نسبة الإناث في مؤسسات التعليم العالي ستتخطى الذكور بمعدلات عالية لتصل عام 2014 إلى 138%، وهكذا بلغ عدد طالباتها الجدد 21166 طالبة في عام 2013 -2014، مقابل 13727 طالبا. ولكننا عندما ننتقل إلى مجال العمل ستظهر فجوة بين الحق والواقع، في جزء منها طبيعية ونجدها في كافة المجتمعات، وفي جزء آخر منها مرتبطة بالطبيعة الانتقالية للمجتمع العماني. في عام 1990 كانت نسبة الإناث إلى الذكور في قوة العمل 18.4%، لكنها ارتفعت إلى 31.1% عام 2012. وسوف تتفاوت النسبة بين النوعين فيما بين القطاعين العام والخاص، فهي في العام تصل إلى 42% بينما في الخاص لا تتعدى 19%. واحتلت النساء العمانيات الكثير من المراكز القيادية، وعلى سبيل المثال شهد عام 2005 تعيين سفيرة لعمان في الولايات المتحدة وأربع وزيرات.
اتخذت مسيرة المؤسسة السياسية لنفسها مسارين.
في المسار الأول سعت إلى إعادة بناء سلطة الدولة المركزية عبر هياكل مؤسسية وحديثة ومقننة وقادرة على التغلغل والاحتواء، وعبر إعادة التنظيم الإداري والإقليمي للبلاد. وفي هذا السياق تأسست وزارات الداخلية والعدالة والاقتصاد والعمل بعد 1970، وتلاها تشكيل مجلس الوزراء. وفي عام 1972 تأسس مجلس الدفاع الوطني والبنك المركزي والمجلس المؤقت للتخطيط. وفي عام 1975 تأسس ديوان شؤون الموظفين، وصدر قانون التنظيم الإداري العام للدولة، وأول قانون للخدمة المدنية. واستمر التطور المؤسسي حتى صدور النظام الأساسي للدولة عام 1996.
وعبر المسار الثاني سعت مسيرة المؤسسة السياسية إلى البناء التدريجي لمؤسسات المشاركة الشعبية. انطلقت تلك الجهود مبكرا بتأسيس مجلس الزراعة والأسماك عام 1979، وفي عام 1981 حل محله المجلس الاستشاري للدولة، ليحل محله مجلس الشورى في عام 1991.
ومع صدور القانون الأساسي للدولة عام 1996 تأسس مجلس الدولة إلى جوار مجلس الشورى، وبميلاد مجلس الدولة تكون مجلس عمان. وعندما ننظر إلى مسيرة تطور هذه المجالس، ثم تطور قواعد تشكيل مجلس الشورى حتى دورته الخامسة 2003، سنلاحظ تطور الصفة التمثيلية عبر بعدين. اتساع العضوية من 13 عضوا فقط في مجلس الزراعة والأسماك إلى 45 في المجلس الاستشاري للدولة، إلى 169عضوا في مجلس عمان (85 للشورى و84 للدولة). والانتقال من آلية التعيين الكامل في حالتي مجلس الزراعة والأسماك والمجلس الاستشاري، مرورا بمرحلة آليات الاختيار الانتقالية والمتدرجة بين التعيين والانتخاب في الدورات من الأولى إلى الرابعة في مجلس الشورى، وانتهاء بآلية الانتخاب الحر العام المباشر في انتخابات الدورة الخامسة لمجلس الشورى عام 2003.