المسيرة المباركة.. معارج المجد والفضيلة

إميل أمين –

49 عاما تنقضي هذه الأيام على انطلاق النهضة المباركة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- وهي مناسبة جيدة للتأمل في سيرة ومسيرة نهضة اهتمت بالبشر والحجر، نهضة أخذت بيد الإنسان وارتقت به في معارج المجد والفضيلة.

نهضة قامت على مرتكزات من الإيمان والأخلاق، ومن النظرة الفلسفية للعلاقات الدولية، نظرة تشيع الأمن وتنشر السلام، وتباعد بينها وبين منحدرات الخصام والكراهية، ولهذا فإننا لا نغالي أن قلنا أن السلطنة أضحت وعن حق مصباح يضيء في منطقة نهارها قلق وليلها أرق، وقد كانت حكمة جلالته أمد الله في عمره، هي المنطلق الأنفع والأرفع، الذي زخم تلك التجربة.
يضيق المسطح المتاح للكتابة عن السرد والعرض، والتوقف أمام التجارب الناصعة البياض لسلطنة عمان طوال نصف قرن، ولأن السياسة لا سيما الخارجية منها هي المحرك الرئيس للدول، فيعن لنا أن نتساءل أي طريق سلكته السلطنة في هذا الصعيد وجعل منها مثالا يحتذى ومقياسا واضحا لما يتوجب أن تكون عليه الدولة الحديثة.
حين انطلقت النهضة المباركة كانت هناك النية واضحة والعزم أكيد، لجهة كسر وإنهاء حالة العزلة التي عرفتها البلاد، والعودة إلى مدارات وفضاءات الدولة العمانية بأمجادها الكبيرة وصولاتها وجولاتها الإيجابية والخلاقة حول العالم.
توافر لدى القيادة العمانية ممثلة في صاحب الجلالة مبكرا جدا القيم الرئيسية التي تعد مرتكزات الدولة الناجحة، وهي ضبط المسافات مع كافة العواصم والعوالم، فعلى الرغم من أن النهضة المباركة بدأت مع أوائل السبعينيات، أي في الفترة التي كان العالم فيها متشظيا إلى كتلتين، شرقية وغربية، والاستقطاب السياسي والأيديولوجي على أشده، استطاع جلالته أن يمخر عباب بحار ومحيطات كبحار فائق المهارة بسفينة بلاده من الدخول في جدالات أو انتماءات تعيق الهدف الأكبر والأهم، وهو الإنسان وتنميته، والدولة وبناؤها، والخليج العربي وتعاونه وتضافر جهوده الخلاقة.
عبر خمسة عقود من زمن الاضطرابات استطاعت السلطنة وفي ظل القيادة الرصينة والحكيمة أن تقدر خطواتها جيدا، رافضة تيارات التحزب والتمذهب، على حد سواء، كان إيمانها ولا يزال، أن السلم هو الطريق الأنجع لحل الإشكاليات، وأن فلسفة الوفاق سوف تنتصر على دعوات الفراق.
في حديث أدلى به جلالته في نوفمبر عام 1995 إلى مجلة «ميدل إيست الشهيرة» نراه يقول: «أن العالم يتضاءل وينكمش، وأنا واثق تماما من أن جميع البلدان يجب أن تسير وفق هذه القاعدة، وتحاول أن تفهم بعضها البعض وتتعاون فيما بينها، وتعمل جنبا إلى جنب لخير البشرية جمعاء، وقد لوحظ في السنوات الأخيرة بوادر واعدة تدل على أن النزاعات بين الدول صارت تعتبر من الحماقات المطبقة، وأن الخلافات بين البلدان يجب أن تحل بالمفاوضات وليس عن طريق العنف».
أثبتت التجربة التاريخية لاحقا انهيار أفكار الأحلاف، وعلو وارتفاع الدعوة للنظر إلى العالم بوصفه رقعة جغرافية واحدة، وتصاعدت أفكار العولمة، لا سيما الساعية إلى التقريب بين البشر، وإزالة الحواجز والحدود، واستذكر الجميع مقولة عالم الاجتماع الكندي الشهير «مارشال ماكلهون» من أن العالم لابد له آجلا أم عاجلا أن يضحى قرية كونية واحدة.
سعت السلطنة في عهد صاحب الجلالة إلى السير في مدارين ناجحين كل النجاح، الاستقرار والسلام إقليميا وعالميا، وقد قدمت السلطنة القدوة والمثل، وذلك حين صفرت كل الخلافات الحدودية مع الجيران من الأشقاء، وحتى لا تتيح مجالا للنزاع، بل تعطي كل الآفاق للبناء الخلاق.
لم تعرف السلطنة طريقها إلى الحروب وإلى المنازعات، فالدولة حاضنة للسلم ولا تميل أبدا للسير في طريق المجابهات سياسية كانت أو عسكرية، وقد كانت رؤية جلالته منذ بدايات النهضة المباركة أن الجلوس إلى موائد المفاوضات يبقى الحل الأقرب للقلوب والعقول، إذ يجنب الجميع صدامات الكراهية، وإشكاليات الحروب، وحتى أن اعتبرت الأخيرة من بين أدوات الدبلوماسية، إلا أن خسائرها تبقى هائلة، وما تتركه في النفوس يبقى محفورا عبر الزمان والمكان، فحيث تسيل الدماء تتعذر المصالحة.
ولعل العنصر الآخر الذي لا يمكننا أن نغفله ونحن نسير على درب مسيرة النهضة والتنوير، هو العنصر التعليمي، فقد آمن جلالته بأن: «الأمم لا تبنى إلا بسواعد أبنائها، وأن رقيها في مدارج الحضارة والتقدم لا يتم إلا عن طريق العلم والخبرة والتدريب والتأهيل» ويضيف جلالته: «أن الثروة الحقيقية لأية أمة إنما تتمثل في مواردها البشرية القادرة على دفع عجلة التطور إلى الأمام في جميع مجالات الحياة».
نقرأ في الكتاب الذي صدر مؤخرا عن مجلس التعليم العماني تحت عنوان «محطات مشرقة في مسيرة التعليم في سلطنة عمان»، كيف أن النهضة المباركة جعلت من العلم أحد جناحيها للتحليق في السماوات العلى، وقد رأى جلالته بعين ثاقبة أن التعليم يجب أن يكون متاحا للجميع وفي ظل أي إمكانيات، وحتى لو في ظل شجرة.
رؤية جلالته الثاقبة للتعليم كانت هي الأساس لعملية التنمية، فالبشر هم من يشيد عظائم أمور الحجر، وهو الذي يجبر الأرض على البوح بخيراتها، والمياه على استخراج كنوزها.
اعتبر جلالته أن الإنفاق على التعليم ومهما كلف الدولة، أمر يعد من قبيل الاستثمار العالي المردود في الإنسان، وأنه السبيل إلى ما بات يعرف في علوم الاجتماع الحديثة والممتزجة بمسحات ولمسات اقتصادية «رأس المال البشري»، الذي يضارع الآن بل يفوق رأس المال النقدي، والمورد البشري أضحى أهم مكونات معادلة التنمية، في حاضرات أيامنا وبالتالي، فإن التعليم يعتبر من العوامل الفاعلة في أحداث التنمية المستدامة والمحافظة عليها بل ودفعها خطوات للأمام.
ولعل الجزئية التي كانت إبداعا وتنويرا سابقا للعصر والأوان في منطقة الخليج العربي، هي رؤية جلالته لتعليم الفتيات، إذ اعتبر أن المرأة هي نصف المجتمع، وهي شريك كامل في عملية البناء والنهضة والعمران الحديث، كما أنه لا يمكن أن تخرج السلطنة أجيالا مستنيرة إلا في ظل أمهات يدركن قيمة العلم، وشرف العمل، ولهذا حرص جلالته على افتتاح المدارس لفتيات السلطنة، وبعد خمسة عقود من النهضة المباركة، ها هي المرأة العمانية، شريك استراتيجي للرجل، تجدها في كافة ثنايا وحنايا السلطنة، وزيرة وسفيرة، طبيبة ومعلمة، كاتبة وباحثة، ولا نغالي أو نماري أن قلنا أن ذلك كله لم يكن ليتحقق إلا في ظل رؤية استشرافية، واستراتيجيات واقعية، عبر جداول زمنية، وخطط تنمية مستدامة، عمل جلالته على تنفيذها، وتابع وأشرف حتى جاء حساب الحصاد موافقا لحساب الحقل.
إحدى نقاط التنوير في مسيرة النهضة العمانية، هي تلك التي تتجلى في التلاحم الحقيقي بين الراعي والرعية، فلطالما تنقل جلالته بين ربوع السلطنة الواسعة الفسيحة يستمع بإذنيه ويرى بعينيه أحوال رعيته، معطيا لمن حوله دروسا في معنى الخدمة والتضحية، البذل والعطاء، معرفة الحاجات الآنية لجموع المواطنين، واستشراف تطلعاتهم المستقبلية لخير البلاد.
يقول صاحب الجلالة: «في هذا المجال اعترف بأني أتمتع كثيرا بهذه الرحلات الداخلية التي أقوم فيها بطول البلاد وعرضها… في هذه الرحلات التقي بالناس مباشرة واستمع إلى مطالبهم وهم يسمعون وجهة نظري».. ويضيف جلالته في لهجة أبوية صادقة..«أشعر بالألفة هنا وهم كذلك».
جذور جلالته الفكرية وتوجهاته السياسية تعطي مثالا في المواءمة بين الأصالة والمعاصرة دون تزاحم أو تضاد، وهذا ما يتبين من رؤية جلالته لفكرة تفقد الراعي لأحوال الرعية.
نستمع إلى جلالته يقول: «أن تفقد أحوال الرعية شأن موجود في تاريخ الإسلام ويعد من واجبات القائد كما أن هناك مواطنين قد لا تسمح لهم ظروفهم بأن يطرقوا أبوابا معينة، فآتي إليهم بشكل مباشر، أني مرتاح وأجد متعة نفسية بهذه الجولات السنوية، اجتمع فيها بأهلي، اسمع منهم ويسمعون مني، ونعطي جميعا الثمار المطلوبة، أنني أتمتع وأنا أرى أهلي يستمعون إلى توجيهات ولي الأمر، ويعملون بها، ومن هنا نجد ثقافة الضبط والربط التي يراعيها هذا التفاعل الذي يجد بدوره الولاء المتبادل بين الطرفين».
يتساءل المرء هل يمكن في مساحة محدودة أن يتناول إنجازات خمسة عقود من النمو والارتفاع روحيا وماديا، أدبيا وأخلاقيا؟
بالقطع منجزات النهضة لا يمكن حصرها في مشروعات البناء والنماء والتعمير، وإن ضربت مثالا متقدما في الإرادة التي فتحت الطرق وسط الجبال، وأقامت أفضل المنشآت الصناعية والسياحية، في داخل السلطنة، وبكل تأكيد وتحديد لا يمكن اعتبار النجاحات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل فقط من تلك المنجزات الهائلة.
المنجز الحقيقي الراسخ الذي نجحت السلطنة في طرحه يتمثل في ثنائية «الرجال والمرجعيات»، أما الرجال فهم حصاد عملية تعليمية وتنموية، وأما المؤسسات فهي متمثلة في بناء دولة القانون، وإيجاد نظام تشريعي يتسم بالتناغم والتوافق مع النظام الأساسي للدولة.
كانت السلطنة وستظل أرضا للتسامح والتصالح مع الذات ومع الآخر، ولهذا واعترافا بدورها في مجال مواجهة التشدد ونشر ثقافة الاعتدال، أشاد التقرير السنوي للحريات الدينية في العالم لعام 2012، والذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، بجهود السلطنة في مجال محاربة التطرف الديني، وتعزيز الحريات الدينية. التقرير المشار إليه يوضح كيف أن السلطنة تنتج رسالة سلام «إسلام معتدل ومتسامح»، وهو ما تدل عليه حرية المعتقد الذي يتمتع به أبناء الطوائف الدينية المختلفة في السلطنة، حيث يمارسون شعائرهم الدينية دون تضييق.
كان لسلطنة عمان في القرون السابقة مسيرة تنويرية وبخاصة في إفريقيا، واليوم تتجلى الأشعة الثقافية العمانية من خلال معارض تجوب العالم، في أوروبا وأمريكا، تحدث القاصي والداني عن التجربة العمانية في الماضي، واسترجاعها في الحاضر، مظهرة قيم التسامح والتواصل الحضاري والحوار المتبادل الذي ارتكنت إليه، وعلى هديه تلاقت مع أمم وشعوب العالم، وفي ضوئه تمضي المسيرة المباركة لعقود طوال قادمة إن شاء الله.