ترامب في سبيله إلى تفتيـت الغــرب

إدوارد لوس – الفينانشيال تايمز – ترجمة قاسم مكي –

لا تأسوا كثيرا على كيم داروتش سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة الذي فارق منصبه. فهو يرحل عن واشنطن محفوفا بثناء زملائه الدبلوماسيين. وسيستمتع بالحياة بعد انقضاء خدمته في وزارة الخارجية. في الحقيقة من النادر أن يخرج أحدهم بسمعة أفضل بعد إنهاء مساره الوظيفي على هذا النحو الفجائي.
لكن لا يمكن أن يقال نفس الشيء عن بريطانيا. فتغريدة ترامب التي أجهزت على السير كيم وضعت سلفا حكومة بوريس جونسون الوشيكة في مسار يجعلها تتنكب السبيل السوي (بافتراض فوزه في المنافسة على زعامة حزب المحافظين). إن وجود فيكتور أوربان المجري وماتيو سالفيني الإيطالي إلى جانب ترامب شيء وانضمام رئيس وزراء بريطانيا إليه قبل نهاية هذا الشهر شيء آخر.
التباين الحالي مع بداية رئاسة ترامب لافت للنظر. فهو قد بدأ (رئاسته) كشخصية وحيدة ومنعزلة وسط الزعماء الغربيين. وكان هناك حديث عن تولي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قيادة القوة العظمى الأخلاقية الجديدة. ثم بعد أشهر قليلة لاحقا اعتلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المنصة إلى جانبها. بل حتى رئيسة الوزراء البريطانية المغادرة تيريزا ماي وجهت توبيخا مستترا لرئيس الولايات المتحدة.
العنصر الوحيد في السياسة البريطانية الذي ظل محصنا من «التخريب الشعبوي» كان السياسة الخارجية. ففي الأعوام الثلاثة الأخيرة وقفت المملكة المتحدة بقوة إلى جانب شركائها الأوروبيين حول قضايا التغير المناخي والاتفاق النووي الإيراني وحل الدولتين بالشرق الأوسط وكذلك في تأييد نظام عالمي مرتكز على قواعد. لكن كل هذا ربما على وشك أن يتغير.
سيبدأ بوريس جونسون عمله كرهينة «جزئية» لترامب. فهو بفشله في الدفاع عن السير كيم يكون قد تنازل للولايات المتحدة عن صناعة القرار البريطاني حتى قبل أن يدخل داوننج ستريت (مقر رئيس الوزراء البريطاني في لندن). كما أنه نأى بنفسه عن بروكسل. وذلك ما سيترك له مكانا واحدا يلجأ إليه وهو واشنطن.
لا أحد يحصل على عون من ترامب مجانا. فالثمن سيكون تبني خروج بريطانيا «دون صفقة» من الاتحاد الأوروبي. وهو ذلك الخروج الذي تعهد بأن في مقدوره تجنبه. بدون ذلك لا يمكن لترامب تأمين الاتفاق التجاري الأمريكي البريطاني الذي يريده. لقد اعتاد المعادون لأمريكا القول بأن بريطانيا كانت تابعها الخانع. ويخاطر جونسون بأن يبدأ عمله بذات الصفة بالنسبة لترامب.
لا ينبغي أن يكون هناك سر بشأن نهاية لعبة الرئيس الأمريكي. فقد دعا الآخرين لترك الاتحاد الأوروبي. وهو يتحدث عن الكتلة الأوروبية «كخصم» جيوسياسي. وسفراؤه، بعكس السير كيم الذي كان دائما مهذبا تجاه إدارة ترامب في العلن، كثيرا ما يتهجمون على مضيفيهم. فوودي جونسون، سفير الولايات المتحدة في لندن يجهر بمناصرة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وريك جرينيل في برلين صديق علني لليمين الشعبوي الألماني. لكن لم يتم التعامل مع أي منهما بذات الطريقة التي عومل بها داروتش. إن ما يقوله رسل (مبعوثو) ترامب في العلن أشد ضراوة بكثير مما قاله السير كيم في السر.
لا يترتب عن ذلك أن ترامب يعكف على بناء بديل متماسك لما يتبقى من الغرب. فهدفه هو إنشاء «عالم مقايضات» يدافع فيه كل بلد عن نفسه. وهذا يلائم فكرته عن النظام الطبيعي للأشياء بما أن أمريكا هي البلد الأقوى. والشيء الوحيد الذي يمكن أن تشترك فيه شعارات أمريكا أولا وبريطانيا أولا وإيطاليا أولا والمجر أولا هو النفور من البلدان التي لا تزال تؤمن بقيمة التحالف الغربي. أمريكا الجديدة هذه لا يمكنك التعويل عليها في الوقوف إلى جانبك في أوقات الأزمات.
ثمة حدثان وقعا هذا الشهر. إنهما صغيران لكنهما مهمان. فهما يوضحان مدى السرعة التي تتغير بها الأمور. أولهما إدانة اتحاد من 22 بلدا احتجاز الصين لحوالي مليون شخص أو أكثر من أقلية الإيجور في شينجيانج. شاركت معظم بلدان الغرب في هذه الإدانة فيما عدا إيطاليا والمجر والولايات المتحدة. وأدانت هذا الاحتجاز كذلك حكومة المملكة المتحدة التي تقودها تيريزا ماي. لكن من المشكوك فيه أن بوريس جونسون كان سيوافق على الإدانة (إذا كان رئيس وزرائها). ترامب لا يتظاهر أبدا بأنه مهتم بما يحدث في الصين. وكما ورد في الفايننشيال تايمز هذا الشهر فقد أبلغ الرئيس الصيني شي جينبينج بأنه سيتخلى عن تأييد الولايات المتحدة للمحتجين في هونج كونج مقابل تنازلات تجارية (من جانب الصين).
أما الحدث الثاني (الصغير ولكن المهم) فهو تدشين لجنة «الحقوق الثابتة»التي يحب ترامب نظرتها لحقوق الإنسان. لم يترك مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، مجالا يذكر للشك بشأن الوجهة التي ستسلكها هذه اللجنة. (اللجنة التي أعلن عن تشكيلها بومبيو يوم 8 يوليو الحالي لمراجعة دور حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأمريكية – المترجم). لقد دعا بومبيو إلى وجوب إرساء الحقوق على «القانون الطبيعي». وهو الشفرة التي تعني معارضة «حقوق تصطدم بحقوق أخرى». أما المستهدفون فهم الناخبون الإنجيليون. وسيستفيد من ذلك أساسا الحكام المستبدون حول العالم. بهذه السرعة التي ينطلق بها ترامب سيكون الغرب على «بُعدِ» سنوات قليلة من الانضمام إلى السير كيم في تقاعده.