المدن ستظل الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية

أحمد بن سالم الفلاحي –

تبقى العودة إلى توظيف التقنيات الحديثة؛ وفق ما أشار إليه مؤتمر المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة المصاحب لمعرض كومكس 2018، وغيره من المؤتمرات في ذات الاتجاه، هي السبيل للخروج من «شرنقة» التحديات التي تفرض المدن، وعلى صانع القرار أن يقبل هذا التحدي في حينه.
تشكل المدن قصة وجودية في حاضنة الفكر الإنساني منذ البدايات الأولى لعمر البشرية، ومارست دورها وفق هذه الرؤية لدى كل شعوب العالم؛ بلا منازع، وظلت هكذا، وعلى هذا المستوى من الاهتمام، فالحضارات الإنسانية التي قامت على ضفاف الأنهار والبحار، كانت مدنا، ولعبت دورها كمدن حاضنة، وليست كقرى طاردة، وحافظت على تألقها حتى يومنا هذا، ولم تغير فيها الجغرافيا، وتقلبات الظروف الإنسانية المختلفة، إلا النذر اليسير، مما أتاح لها الفرصة في إعادة إنتاجها من جديد، وبصورة أكثر جدية وحيوية ومرونة وقدرة على استيعاب سكانها الكثير، مما أوجد اليقين الدائم بأن العلاقة بين الإنسان والمدينة علاقة وجودية، بغض النظر عن موقع هذه المدينة أو تلك على امتداد الجغرافيا، ولذلك هي تحظى بالاهتمام والتقدير، انعكاسا للأدوار الإنسانية التي تقوم بها خدمة للمتهافتين إليها للسكنى والاستقرار، والبقاء، والامتزاج.
وعلى الرغم من ثقلها المادي، المتمثل في ضخامة المباني، واتساع رقعة الشوارع وتعددها، وتضخم عدد السكان وتنوعهم، وعلى أهميتها في صنع الحضارة الإنسانية بمفاهيمها المختلفة، إلا أنها لا تزال تمثل عبئا تنمويا على الحكومات لاستنزافها الموازنات المرصودة من ناحية، وفجائياتها غير المتوقعة من ناحية ثانية، وذلك لمواجهة التدفق السكاني الكبير عليها، الذي يستلزم؛ في المقابل تعزيز البنى الأساسية، وتعزيز أدوارها تلبية لهذه الأعداد من السكان، الذين يجدون في مدينتهم المآل الآمن للبقاء والتطور، فالمدن؛ وعلى الرغم من قسوتها، في بعض الأحيان؛ إلا أنها بصورها الاحتفالية العديدة تظل آسرة، ومستحوذة، وحاضنة، بكل ما تعنيه هذه الكلمات، ولذلك تظل التحدي الأكبر للبرامج التنموية عبر مسيرة التنمية في كل بلد على حدة.
لذلك تستحوذ المدن؛ في الغالب؛ على نصيب الأسد من الخدمات، والامتيازات، وتعطيها التشريعات الحديثة هذا «الامتياز» حفاظا على الأمن الاجتماعي المثقل بالحمولة السكانية، لأن الغالبية العظمى من سكان الدول يعيشون في المدن الرئيسية، ويرون فيها الملاذ الآمن للبقاء والتطور، وهذا في المقابل يحتم على صانع التنمية أن يضاعف من مستوى خدمات البنى الأساسية، مع أن ما تستنزفه المدن من موازنات؛ ربما قد يؤثر على مسارات برامج التنمية في القرى والأرياف البعيدة نسبيا عن المدينة الأم، وهي العاصمة؛ غالبا.
في شهر أبريل من عام 2018م، عقد هنا في السلطنة «مؤتمر المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة المصاحب لمعرض كومكس 2018، حيث ناقش طرق التكامل بين تقنيات المدن الذكية وكيفية تضمينها في التخطيط المستقبلي للمدن» حيث أشار التقرير الذي نشرته جريدة عمان في ذلك الوقت، إلى أن «المدن الكبيرة أفرزت مجموعة من المشاكل المتعلقة بالطاقة والأمن والغذاء والسلامة المرورية والبيئة وغيرها، وذلك بفعل زيادة تدفق السكان إليها من مناطقهم الريفية، حيث ينتقل (1.3) مليون شخص للعيش في المدن كل أسبوع، ويتوقع بحلول عام (2050) أن يعيش ما نسبته (70%- 80%) من سكان العالم في المدن مقارنة فقط بـ (3%) في عام (1800) وأن هذه الزيادة سوف تتسبب في زيادة استهلاك موارد طاقة المدن بمعدل أكثر من السابق، وإحداث أضرارًا بيئية هائلة، حيث يصل استهلاك المدن إلى (80%)» – انتهى النص – مشيرا هذا التقرير ذاته إلى أنه أصبح في حكم الواجب البحث عن تقنيات مبتكرة من شأنها أن تقلل من مستويات استهلاك الطاقة، والتقليل من الازدحام.
تنبهت اليوم؛ ربما أكثر من أي وقت مضى؛ الكثير من الحكومات إلى أهمية توزيع العدالة التنموية على الحواضر، وعلى المدن الصغيرة والقرى، والأرياف، حيث أنشأت أفرع للمؤسسات الخدمية في حواضر المحافظات أو الولايات، والقرى التابعة لها لتحقيق أهداف كثيرة، يأتي في مقدمتها الحرص على استقرار السكان في بيئاتهم الأصل، وعدم اضطرارهم إلى النزوح الجماعي إلى المدن الرئيسية، والسلطنة واحدة من الدول التي نجحت إلى حد كبير في هذا الاتجاه، وفي قراءة سريعة لتجربة السلطنة في تعاملها مع حواضرها، تظهر عدالة التوزيع التنموي من خلال انتشار مديريات المؤسسات الخدمية، والمنبثقة من الوزارة الأم في العاصمة مسقط، وكذلك المستشفيات المرجعية، وامتداد الطرق الحديثة، وخدمات الاتصالات، وانتشار المدارس بمراحلها المختلفة، وكذلك الجامعات الكليات، وخدمات شرطة عمان السلطانية المختلفة، واكتمال خدمات الكهرباء والمياه للغالبية من المدن والقرى على امتداد الجغرافيا العمانية، مما ساعد كثيرا في توطين السكان في مدنهم وقراهم، وعدم تجشمهم عناء الإقامة في العاصمة، أو المدن الرئيسية الأخرى، إلا من اضطر إلى ذلك لسبب أو لآخر، مما ساعد كثيرا على تنمية المحافظات بولاياتها العديدة، وتطورها التنموي، فأصبحت هي الأقرب إلى المدن الرئيسية لا فرق في ذلك من حيث توفر الخدمات التنموية المختلفة، وسهولة وصولها إلى جميع السكان بلا استثناء، وهذا بدوره ساعد؛ ليس فقط على استقرار السكان في مقر سكناهم الأصل؛ بل ساعد كذلك في المحافظة على مجموعة الخصائص السكانية، وخاصة الخصائص الديموغرافية منها على وجه التحديد، وهذا أمر في غاية الأهمية للحفاظ على الهويات الوطنية، والقيم الاجتماعية المتجذرة لدى السكان.
تشير التقارير الدولية إلى أن المدن لا تزال بيئة جاذبة للسكان، وفي زيادة مستمرة، وهذا تقابله ضرورة السعي الحثيث إلى الـ «توسع الحضري»، حسب توصيف الأمم المتحدة، والذي من شأنه أن يخفف من العبء على المركز في المدن الأم في أي دولة من الدول، ففي البيان الصحفي عن منتدى الأمم المتحدة والصادر في الـ (11) من يوليو 2018م، حمل تحذيرا يشير إلى أن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية استنتج في تقرير جديد أن البرنامج لم يحرز تقدما شموليا في شأن تحقيق الهدف الحادي عشر الذي ينص على جعل المدن آمنة وشاملة ومرنة ومستدامة بحلول عام (2030) – حسب المصدر بتصرف – وقد أكدت المديرة التنفيذية لبرنامج المستوطنات البشرية في مؤتمر صحفي بالمقر الدائم في نيويورك، بأن: «المدن تنمو الآن بشكل غير اعتيادي، حيث يعيش أكثر من نصف سكان العالم حاليا في مناطق حضرية.
ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى ثلثي سكان الكوكب بحلول عام (2050). وهذا يجعل التوسع الحضري أحد أهم القضايا في عصرنا، وعنصرا محوريا للتنمية المستدامة. إذا ما أردنا تحقيق أهداف التنمية المستدامة الـ (17) والقضاء على الفقر المدقع وحماية الكوكب وضمان تمتع كل فرد بالسلام والازدهار، ينبغي علينا تعزيز جهودنا المشتركة ليحدث التوسع الحضري بشكل صحيح، حسب الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة.
وعلى الرغم من حرص حكومات الدول على السعي الحثيث في إنجاز التنمية المستدامة لبقاء المدن على قدرتها في استيعاب سكانها، والآخرين ممن لا تزال الإقامة في المدن تدغدغ مخيلتهم، إلا أنها لا تزال في المقابل تعيش تحديات نوعية في كل مرحلة تنموية، فالمدن تفرض شروطا قاسية باستمرار، وما تقرير الأمم المتحدة أعلاه إلا حقيقة من حقائق هذه التحديات التي تفرضها المدن، بغض النظر على اتساعها وشموليتها في استيعاب مجموع السكان الذين يتوافدون إليها من كل حدب وصوب، وبالتالي فعلى صانع القرار أن يقبل هذا التحدي بكل ما يفرضه من شروط، واستحقاقات، حاضرة ومستقبلية، وتبقى العودة إلى توظيف التقنيات الحديثة؛ وفق ما أشار إليه مؤتمر المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة المصاحب لمعرض كومكس 2018، وغيره من المؤتمرات في ذات الاتجاه، هي السبيل للخروج من «شرنقة» التحديات التي تفرض المدن، وعلى صانع القرار أن يقبل هذا التحدي في حينه، من خلال توظيف كافة الإمكانيات البشرية والفنية لتعزيز قدرته على مجابهة كل التحديات والتطورات التي تفرضها المدن في حاضرها ومستقبلها.