مجرد ورقة

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

انضمت إلينا ورفيقاتي في حديقة النزل الذي كنا نقيم فيه، امرأة ألمانية مسنة في أواخر الثمانينات من عمرها، في حوار نسائي شيق، جاء ليثبت لي بأن المرأة هي المرأة، أينما كانت وكيفما لبست، وكيفما كان لون بشرتها، تحدثنا عن ذكريات الطفولة، وقصة الحب الأولى، وأشياء صغيرة أخرى جعلت عيون جليستنا تلمع تأثرا، وهي تعتذر عن عدم قدرتها استكمال سرد قصتها، حولت إحدى الصغيرات دفة الحوار إلى قضايا عامة، وسألتها عن الأشياء التي لا تحبها في الجيل الحالي، فأجابت: عدم احترام هذا الجيل للطبيعة يؤلمني، لقد كنت أتمشى في الغابة هذا الصباح، فتألمت لمشاهدة محارم ورقية ألقيت في الغابة، هذا مشهد مؤلم ومؤسف لا يجب أن يحدث.
تبادلنا النظرات ورفيقاتي، ومرت في ذهني صور المرافق السياحية في بلادي أيام الإجازات، ومشهد الشارع وأنا أسلكه فجرا في طريقي للبلد قبل أن يصل إليه عمال النظافة.
استأذنت العجوز بالدخول وفي طريقها لمحت قطعة صغيرة من بلاط الممر تحركت من مكانها، فانحت بكل سنوات عمرها التي تحمل على ظهرها الذي قوسته تلك السنون في محاولة لإعادتها لمكانها، لكن تعذر عليها إعادتها إلى وضعها الطبيعي، فتمتمت يا إلهي إنها مكسورة ومضت.
في اليوم التالي حرصت على تفحص الغابة أثناء مشوار التريض المسائي، بحثا عن ورقة محارم، أو أيا من المخلفات البشرية، تشي بأن أحدا ما مر من هنا، فلم أجد شيئا، لولا آثار الأقدام ما كنت ستعرف بأن مخلوقا دخل هذا المكان الذي يستخدمه أهالي القرية يوميا للتريض، يتذكر المرء هنا مقولة الإمام محمد عبده عندما سئل عن باريس فقال مقولته الشهيرة: وجدت في باريز إسلاما من غير مسلمين، تماما كما يوجد مسلمون بدون إسلام في بلادي.
صديقة كرواتية لطفلتي في دفاعها عن الإسلام قالت يوما لرفاقها: تبا لكم تهاجمون الإسلام، لقد علمنا المسلمون النظافة كأوربيين، فقبلهم لم يكن أجدادنا يعرفون معنى الاستحمام.
استحضر دائما صورة جدي وهو ينحني ليلتقط (شبقة) سمر ألقت بها الريح في طريق المصلين في أحد صباحات السنينة القريبة، التي لم تكن تعرف عمال نظافة لكنها كانت قمة في النظافة، حيث كل القرية امتداد للبيوت، لا ينظف البيت وحده بل حتى سكيك الحارة ينالها التنظيف، والطرق المؤدية للمسجد و (طوي) القرية الوحيدة، فمتى تعلمنا الاستهتار بالطبيعة إلى هذا الحد، نحن لم نكن حتى عهد قريب نوظف من يجمع مخلفاتنا، لم نكن لنسمح بقطع شجرة بدون سبب، ما كنا نصطاد حيوانا بدون حاجة، متى تعلمنا وكيف أن نكون بهذا الاستهتار واللامبالاة بحق هذا الكوكب الذي استخلفنا عليه؟!