هل ضج العالم حقا بأخطاء المنصات الإلكترونية؟!

د. عبدالعاطي محمد –

عندما يقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقد «قمة» في البيت الأبيض خصصها للبحث في وضع قواعد جديدة يتعين أن تعمل بها منصات التواصل الاجتماعي، فلابد أن هناك أمرا جللا دفعه إلى ذلك، لا يتعلق بشخصه هو فقط كرئيس لدولة عظمى، وإنما بدور هذه الآلية النافذة عموما في رسم حاضر ومستقبل البشرية المعاصرة، تلك الآلية التي أصبحت بالتجربة منذ ظهور الإنترنت، مثار جدل على المستويين الداخلي والخارجي في العالم أجمع.
ولأول وهلة بدا الحدث غريبا للغاية أو ربما مبالغا فيه، فلم يحدث من قبل أن يجتمع من يديرون شبكات التواصل الاجتماعي الشهيرة على هيئة «قمة»، وتحت رئاسة شخص في حجم رئيس الولايات المتحدة ليتباحثوا في مستجدات الواقع ووجهات النظر في التطوير، كما أن ترامب لم يدع القيادات أو من يمثلهم للشركات الأبرز كفيس بوك وتويتر وجوجل واكتفى بدعوة ممثلين عن أبرز منتقدي المنصات الإلكترونية والشخصيات المحافظة التي تعرضت للرقابة أو الحظر على وسائل التواصل الاجتماعي، هذا فضلا عن أن ترامب نفسه يعد أكبر وأشهر مستخدم لتويتر منذ أن أنشأ لنفسه حسابا فيه منذ 2009 (يتابعه نحو 62 مليون شخص)، ومن ثم لا يكون مفهوما غضبه الذي دفع لعقد هكذا قمة. ومع أن اللقاء لم يترشح عنه شيء مهم، ولم تحضره الشركات الكبرى، إلا أن الباب ظل مفتوحا لعقد قمم أو لقاءات جديدة في الأجل المنظور، بما يعني أن القضية ستظل ساخنة ومفتوحة للنقاش وتمثل ضغطا غير مسبوق على كبريات شركات التواصل.
من السهل إدراك الدوافع المباشرة الشخصية التي دفعت ترامب إلى هذا التحرك المفاجئ، فالرجل دخل عمليا مرحلة الاستعداد لخوض معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة أملا أن يقضي فترة ثانية في البيت الأبيض. وفي انتخابات كهذه تلعب وسائل الإعلام التقليدية، وحديثا وسائل التواصل الاجتماعي، دورا مؤثرا في ترجيح كفة مرشح على الأخر. ووفقا لشخصية ترامب فإنه من المنطقي أن يخترق هذا الميدان الفسيح والمؤثر (وسائل التواصل) ساعيا إلى أن يجعل أدواته تعمل لصالحه بالترغيب أو الترهيب، خصوصا أنه أحسن استخدامها في وصوله إلى البيت الأبيض قبل نحو 3 سنوات. وكشفت السنوات القليلة الأخيرة عن وجود أزمة ثقة بينه وبين مختلف وسائل الإعلام التقليدية تعددت مظاهرها كثيرا، ثم تكررت الأزمة بينه وبين وسائل التواصل برغم العدد الغفير من مشجعيه على تويتر، ودخل الرجل في قضايا أمام محاكم اتحادية رفضت قيامه بحذف عدد من متابعيه على تويتر الذين كانوا ينتقدونه بشدة، واستندت في ذلك أن تصرفه يتعارض مع التعديل الأول في الدستور الأمريكي والمادة 230 من قانون 1996.
وواضح أن ترامب هذه المرة يبدو قلقا من تأثير وسائل التواصل بما يجعله يخسر الانتخابات، إضافة لما هو معروف من خصومة بينه وبين وسائل الإعلام صحفا كانت أم قنوات تلفزيونية، ولهذا لا يكون مدهشا أو غريبا أن يتحرك ترامب في هذا التوقيت ليخوض معركة مع كبريات شركات التواصل. من جانبه اتهمها بأنها تمارس التمييز والانحياز وعدم الصدق، ووصف توجهاتها بأنها يسارية لعلمه مدى خوف وقلق معظم الأمريكيين من «اليسار» كأيديولوجية، وتلميحا إلى خصومه من الحزب الديمقراطي الذي لا يخفي بعض الميول اليسارية، بينما حزب ترامب الجمهوري يمينيا رأسماليا صرفا. ولكي يبدو جادا في خوض المواجهة قال ترامب بوضوح قاطع: «لن نقبل بذلك بعد اليوم». وهو يقول ما يعنيه استنادا لمواقف وأحداث سابقة كثيرة، ولن يكون مفاجئا أن يستخدم سلاح العقوبات الاقتصادية ضد كبريات شركات التواصل لتطويعها وتقبل ما يتم الاتفاق عليه من قواعد وضوابط كلها في الحقيقة تصب في اتجاه الحد من الحريات التي تتيحها هذه الآليات للمستخدم، وبالطبع فإنه كلما تقلصت هذه الحريات كلما تراجع الاستخدام وانعكس ذلك في تراجع المكاسب المالية الضخمة التي تجنيها كبريات شركات التواصل الاجتماعي. ومن جانبها ردت شركات التواصل برفض الخطوات التي يريدها الرئيس الأمريكي حيث أعربت عن مخاوفها من أنه قد يريد إلغاء الإطار القانوني الذي يحمى الخدمات الإلكترونية من المسؤولية عن المضامين المؤذية التي ينشرها المستخدمون، وحتى إن قبلت بفرض قيود فإن ذلك في تقديرها سيكون حافزا عندها لكي تخطئ كلما قامت بحذف خطابات أو مضامين معينة مما يقود تدريجيا إلى فرض رقابة مفرطة وفي نهاية المطاف تختفي المنصات الإلكترونية!
وأيا تكن نتيجة هذه المعركة الداخلية الجديدة التي قرر ترامب أن يخوضها تأهبا لرئاسة ثانية، وعلى الرغم أنها تبدو شخصية إلى حد كبير (تتعلق بواحدة من معارك ترامب الشخصية وما أكثرها)، إلا أن معركة كهذه تفتح لأول مرة، ليس على الصعيد الأمريكي وحده وإنما على الصعيد العالمي كله، قضية أشمل هي علاقة وسائل التواصل بحرية التعبير. فالشائع لدى الجميع منذ ظهور هذه الآلية (شبكات التواصل ومحركات البحث) هو أنها قامت من أجل تجسيد حرية التعبير ليس إلا، إضافة لما تقدمه من خدمات جليلة في مجالات المعرفة المختلفة. ولكن التجربة أشارت عبر وقائع عديدة أن هذه الآلية لم تقم من أجل حرية التعبير وإنما من أجل كسب المشجعين أو المؤيدين لمضمون يريده شخص ما مستخدم لهذه الآلية، ومن المنطقي أن تفتح الباب أيضا للمعارضين والخصوم سواء للمستخدم أو للمضمون الذي ينشره. وقد ظهرت الحاجة لهذا المسار الجديد لسلوك الإنسان المعاصر بفعل عدم ثقته في قرارات ومواقف صانعي ومتخذي القرار السياسي وكذلك نتيجة تراجع الثقة في أداء المؤسسات الشرعية. لقد عرفنا حتى إلى ما قبل ظهور الإنترنت أن الإنسان في أركان الأرض الأربعة يعرف عالمين مختلفين هما العالم الغيبي وهو عالم خيالي غير مادي ولكنه يشغل البال والوجدان، وعالم الواقع وهو حقيقي ومادي أي يدركه الإنسان بكل حواسه ويستند إلى دلائل مادية ملموسة، ولكن مع ظهور الإنترنت ظهر عالم ثالث هو ما يسمى بالعالم الافتراضي وهو عالم حقيقي ولكنه غير مادي بمعنى أنه يذكر لنا وقائع ومعلومات قديمة وحديثة مرتبطة بحياتنا الشخصية والعامة وإن كنا لا نمتلك دلائلها المادية، هو حقائق ولكنها مفترضة تساعدنا في المزج بين عالم الخيال الغيبي وعالم الواقع الذي نعيشه. وقد فتح هذا العالم الجديد الباب للإنسان المعاصر لكي يتخيل ويأمل في تحقيق أهداف يرغب فيها وإن كان لا يلمس مؤشراتها ماديا. والفكرة هنا هي التحول الذي حدث في مزاج وعقل الإنسان المعاصر من النظر لنفسه على أنه جزء من جماعة إلى الاستقلالية الكاملة عمن يحيطون به بعد أن تملكه الإحساس العميق بأنه قادر على أن يحقق ما يريد بذاته وليس بالحاجة إلى الآخرين.
شبكات التواصل غذت الشعور بالاستقلالية عند الإنسان المعاصر بل زادته تضخيما، وتعمدت أن تغطي ذلك بزعم الدفاع عن حرية التعبير. الأخيرة لا تتعارض مع الاستقلالية لأنها تحترم الكرامة الإنسانية والخصوصية أيضا، وهي تتعامل مع الحرية عموما بأنها حق المجموع مثلما هي حق الفرد ولن يهنأ الفرد بالحرية إلا من احترامه لحرية الآخرين. ومن هنا تأتي أهمية الضوابط لأنها تعمل لصالح الفرد والجماعة في نفس الوقت. وتأكيدا لما أدت إليه شبكات التواصل من تعميق متعمد لاستقلالية الفرد وليس حماية حرية التعبير كما يتم الترويج له من جانبها، أن الصفحات الشخصية على مواقع التواصل أصبحت تنافس المواقع الإلكترونية إن لم تكن تتفوق عليها في الانتشار وقوة التأثير. وعلى هذه الصفحات الخاصة تنتشر الأخبار الكاذبة التي تتردد كل دقيقة أو ثانية ويتابعها الملايين من الناس، وكذلك تلك الأخبار أو المعلومات التي ليس لها من مصدر سوى صاحب الصفحة. وما ذلك إلا تعبير عن أن قطاعات واسعة من الناس لا تريد أن تصدق الجهات الرسمية أو أجهزة الإعلام التقليدية الرصينة، وردا على ما تفعله هذه الجهات تفتعل من جانبها أحداثا لم تقع أصلا! وتطور كهذا يعد دليلا إضافيا على التحول الذي أصاب الفكر البشرى السياسي المعاصر، من حيث الدفع بالقطيعة مع ما أسسه هذا الفكر من قبل من قنوات شرعية لممارسة حرية التعبير، واستبدالها بالعالم الافتراضي حيث لا قيود أو ضوابط، ولإحلال هذا العالم الافتراضي محل العالم الحقيقي أو الواقعي.
الظاهرة خطيرة ومدمرة للإنجاز البشرى على الصعيد الفكري في كل المجالات، ولا تقف فقط عند انتهاك الحريات الشخصية والعامة أو انتشار الحروب الكلامية التي تدمر العلاقات بين البشر والأنظمة السياسية. وإذا كانت مشاهد الضجر قد بدأت من داخل البيت الأبيض، فليس من المستبعد أن تمتد إلى الخارج لتعم العالم خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن هناك من سبقوا ترامب وإدارته واتخذوا بالفعل خطوات مؤثرة لوقف انفلات شبكات التواصل الاجتماعي. البداية هي التململ والضجر من الأخطاء التي ترتكبها هذه الشبكات والبقية تأتي تباعا حيث التوجه العام بحتمية تصويب المسار.