المنتدى السياسي للتنمية المستدامة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

العالم كان حاضرا بقوة في أعمال المنتدى السياسي حول التنمية المستدامة الذي اختتم أعماله بمدينة نيويورك مؤخرا. والسلطنة كانت ضمن عدد من الدول العربية والأجنبية التي شاركت بوفد كبير في أعمال هذا المنتدى الذي نظمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، حيث ترأس وفد السلطنة معالي وزير التجارة والصناعة، وبمشاركة أعضاء اللجنة الوطنية وممثلي الجهات ذات العلاقة مع المؤسسات الحكومية والخاصة والهيئات الأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني التي تقدمت بالتقرير الطوعي عن الجهود المبذولة من المتطوعين ومشاركتهم في خطة السلطنة للتنمية المستدامة 2030م.
إن أهداف السلطنة لخطط التنمية المستدامة 2030 التي أعدتها في السنوات الماضية تشتمل على مجموعة من المحاور ذات العلاقة بأهداف التنمية المستدامة 2030 التي أعلنت عنها مؤسسات الأمم المتحدة، خاصة الهدف رقم (8) والذي ينص على ضرورة تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل والمستدام للجميع، والتشغيل الكامل والمنتج، وتوفير فرص العمل اللائق للجميع. وهذا ما تُبذَل فيه الجهود لتحقيق هدف الخطط الحالية والمستقبلية وهو التحول من اقتصاد يعتمد على مورد رئيسي واحد وهو النفط إلى اقتصاد متنوع تسهم فيه جمع القطاعات الاقتصادية الأخرى، وإنجاح سياسة التنويع الاقتصادي، بهدف التقليل من تداعيات الصدمات الخارجية التي تترتب على تقلبات الأسعار في أسواق النفط العالمية كما هو حاصل الآن في أزمتها الأخيرة منذ منتصف عام 2014 وحتى اليوم.
أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 عديدة منها ما يتعلق بالقضاء على الفقر، والجوع، وضمان تمتع جميع الناس بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار. فالسلطنة لا تدخل في مجموعة الدول الفقيرة وفق تصنيفات البنك الدولي، حيث عرفت مؤسسات الأمم المتحدة الفقر بأن يقل متوسط الدخل اليومي للفرد عن دولارين، في الوقت الذي يصل فيه دخل الفرد بالسلطنة الى 20 ألف دولار قلّ أو كثر، الأمر الذي يحقق المزيد من معدلات النمو للفرد العماني ويحافظ على مستوى العيش الرفيع والرفاه الاجتماعي. كما أن السلطنة أيضا تعتبر من الدول التي وفرت وسائل التعليم وتعمل على تعزيز جودة هذا القطاع لتحقيق المواءمة مع سوق العمل أيضا، مع التركيز على أساليب التعليم والتدريب والتشغيل والارتقاء بالمستوى التعليمي للعمانيين، والمواءمة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل وفق الاستراتيجية الوطنية للتعليم. كما تعمل السلطنة في إطار الاستراتيجيات الأممية على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات من الحصول على التعليم الأساسي والجامعي، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات من خلال طرح فرص العمل والتوظيف لهن في جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
لقد نجحت السلطنة خلال العقود الخمسة الماضية في تحقيق عدد من الأهداف التي تم تحديدها ضمن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030 منها القضاء على الفقر، والقضاء التام على الجوع والصحة الجيدة والرفاه والتعليم الجيد والمساواة بين الجنسين والمياه النظيفة الصحية وطاقة نظيفة وبأسعار معقولة والصناعة والابتكار والهياكل الأساسية وعمل المدن ومجتمعات محلية مستدامة والعمل المناخي والحياة تحت الماء، وعقد الشراكات لتحقيق الأهداف.
وقد تم استعراض معظم تلك المحاور التي تهم السلطنة في المنتدى السياسي الأخير حول التنمية المستدامة مؤخرا بنيويورك، حيث أكدت السلطنة التزامها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في المدى الزمني المحدد، وتعزيز المشاركة المجتمعية الواسعة وتقييم الخطط والسياسات والبرامج الكفيلة بمواجهة التحديات وتحقيق الأهداف المنشودة، مع التأكيد على حرص السلطنة على إدماج برامج التنمية المستدامة في الإستراتيجيات للخطط الوطنية من خلال الخطة الخمسية التاسعة ورؤية عمان 2040. وفي هذا الصدد أكد رئيس الوفد العماني على حرص السلطنة منذ إعلانها عن خطة التنمية المستدامة في سبتمبر 2015م على إدماج أهداف الإستراتيجيات للخطط الوطنية الحالية والمستقبلية منها رؤية عمان 2040م، مشيرا إلى أن ذلك يعتبر امتدادا طبيعيا للقيم الراسخة في المجتمع العماني التي ترتكز على مبادئ السلام، التعايش، الاستدامة، المساواة، العدالة، وإشراك المجتمع، الى جانب العمل على تمكين الإنسان العماني حتى لا يتخلف أحد عن الركب، بالإضافة إلى بناء اقتصاد معرفي تنافسي، وتعزيز الصمود البيئي، والسلام كركيزة للاستدامة.
إن السلطنة تتجه بخطى واثقة في الاتجاه المطلوب لتحقيق تلك الأهداف، في الوقت الذي تعززها المشاركة المجتمعية لمواجهة التحديات التي تكمن وراء تحقيق تلك الأهداف المنشودة، الأمر الذي يؤكد بأن السلطنة ماضية في خططها وجهودها لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة، ووضع الأسس اللازمة لإنهاء إساءة المعاملة للفرد، وإنهاء جميع أشكال العنف ضد الصغار والكبار. أما التقرير الوطني الطوعي الأول للسلطنة فقد شكل نقطة إضافة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، حيث يشير التقرير إلى تحقيق 14 هدفا من أهدافها الـ17 المعروفة فيما تُبذل الجهود لتحقيق بقية الأهداف خلال الفترة الزمنية القادمة والوقوف على جميع التحديات الكامنة في ذلك.
لقد عزز المنتدى الأخير مبادئ السلام أيضا في ختام أعماله، حيث صوتت لصالح هذا المشروع العالمي 164 دولة فيما عارضته كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كالمعتاد. وقد اتفق العالم في الإعلان الوزاري للمنتدى بأنه لا سبيل إلى تحقيق التنمية المستدامة دون سلام وأمن، وبأن السلم والأمن يتعرضان بدورهما للخطر بدون تنمية مستدامة، مؤكدين على ضرورة مضاعفة الجهود من أجل تسوية النزاعات، ومنع نشوبها، ومؤازرة الدول التي تمر بمراحل ما بعد النزاع، داعين إلى ضرورة اتخاذ مزيد من التدابير والإجراءات الفعالة طبقا للقانون الدولي، من أجل إزالة العقبات التي تحول دون تمام إعمال حق تقرير المصير بالنسبة للشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار والاحتلال الأجنبي، التي ما زالت تؤثر سلبا في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية وفي بيئتها أيضا. كما جدد الإعلان الالتزام بالتنفيذ الفعال لخطة التنمية المستدامة، وتحقيق أهدافها الـ17 بحلول عام 2030 لتحسين حياة البشر وحماية كوكب الأرض، مع التأكيد على احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة وعدم التمييز، حيث تعد هذه القضايا من الأمور الأساسية للالتزام بضمان عدم تخلف أحد عن ركب التقدم. كما أشار البيان الختامي للمنتدى بضرورة احترام تنوع الأعراق والانتماء العرقي والتنوع الثقافي وتكافؤ الفرص، وضرورة الاستثمار في الشباب، وإبعاد جميع الأطفال عن أشكال العنف والاستغلال. وجاءت دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في هذا الصدد لتؤكد على ضرورة إشراك الشباب في الجهود التنموية، مع التأكيد على تطوير قطاع التعليم ليكون أداة حيوية لتمكين الشباب، والنهوض بالمساواة بين الجنسين، وتمكين جميع النساء والفتيات والإعمال التام لحقوقهن، وتوفير العمل الكريم للجميع، وتغيير طرق الإنتاج والاستهلاك والحياة، بجانب دعوته إلى تولي النساء القيادة ومشاركتهن الكاملة والفعالة في صنع القرار بغية إنشاء مجتمعات شاملة للجميع ومستدامة وقادرة على الصمود. كما تناول في كلمته ضرورة الاهتمام بقضايا أخرى تتعلق بتغير المناخ، وجهود الحد من الكوارث، والحوار بين الثقافات والتنوع، والقضاء على المشاكل الناجمة من عدم توفر الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء للكثيرين بأنحاء العالم، وتعزيز دور العلم والتكنولوجيا في تحقيق أهـداف التنمية المستدامة.
إن تحقيق المزيد من النجاح في تلك المحار خلال الخطط الخمسية المقبلة للسلطنة مرتبط ارتباطا وثيقا بنجاح سياسة التنويع الاقتصادي التي تعد الخيار الاستراتيجي الأول، وذلك بالعمل على تقليل الاعتماد على النفط، وتنمية القطاعات الواعدة والمتمثلة في الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والثروة السمكية والتعدين، بهدف زيادة مساهمة هذه القطاعات في الخطط الخمسية المقبلة وبهدف توفير مزيد من فرص عمل المنتجة والمجزية للمواطنين.