المرأة والحج

بقلم: حنان بنت حميد السيابية –

لقد كرم الإسلام المرأة تكريمًا رفعها من براثن الذل والامتهان إلى معالي العز والتقدير، تكريمًا واقعيًا أثبتته أحكام الشريعة، وجسدته وقائعها وأحداثها عبر مراحل السيرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلوات والتسليم، ولم يكن تكريمًا نظريًا أو شعارات ترفع بالأقوال دون الأفعال..
كما أثبت الإسلام أن المرأة والرجل سواء في التكاليف والأحكام، فكانت المرأة سببًا في تشريع كثير من الأحكام التي جاءت بها الشريعة السمحاء، وبقيت هذه التشريعات ثابتة في منظومة الفقه الإسلامي بعد ذلك، ومن ذلك بعض ما جاء في أحكام فريضة الحج من مناسك تُعُبِد بها المسلمون، وللمرأة دور في تشريعها.
إن الحج شعيرة غائرة في عمق التاريخ البشري، تأسس بنيانها منذ عهد سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حينما ترك أهله بوادٍ غير ذي زرع، كما في قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، ترك زوجته السيدة هاجر وابنها إسماعيل رضيعًا، في وادٍ قحطٍ لا زرع فيه، ولا يسكنه من البشر أحد، تركهما استجابة لأمر المولى -عز وجل- وطاعة له، وفي ذلك أسمى معاني اليقين بالله والتوكل عليه، فما كان من هذه السيدة العظيمة إلا أن تسلم أمرها لله إيقانًا بأن الله عليم قدير رؤوف رحيم، لن يضيعها وصغيرها، وعندما اشتد بها وصغيرها العطش، دفعها التوكل على المولى للبحث عن ماء أو أحد من البشر تستنجد به، فأخذت تسعى بين جبلي الصفا والمروة ذهابًا وإيابًا موقنة بنصر الله العزيز العليم، فانفلق لها الماء عذبًا زلالًا، أتى ذلك الماء منحة ربانية جزاء صبرها وتوكلها وطاعة زوجها، فكان ماء زمزم رواء عذبًا للعالمين إلى يومنا هذا، بسبب هذه المرأة القانتة الصالحة، كما شرع السعي بين الصفا والمروة تيمنًا بسعيها ذاك، والسعي ركن أساسي في فريضة الحج في الإسلام، لا يستقيم حج المسلم إلا به، يؤديه كل حاج؛ ليخطو خطوات خطتها تلك المرأة الصالحة في موقف من أشد مواقف الحياة، مستعينة بالله عالم الغيب، وكاشف الضر.
وقد تجلى في شعيرة الحج معنى عظيم من معاني الحفاظ على المرأة في الإسلام، وتكليف الرجل بالقوامة عليها وفقًا لما تقتضيه فطرة كل منهما، وذلك حينما اشترط وجود المحرم للمرأة حتى تجب عليها فريضة الحج، وإن لم يتوفر لها المحرم المصاحب في السفر إلى الحج سقطت عنها تلك الفريضة الجليلة ولو تحققت لها القدرة المالية والبدنية، وفي ذلك تخفيف وتيسير على المرأة حتى لا تقتحم غمار السفر وحيدة، وحفظ لها من وعثاء السفر ومخاطر الغربة، ومكائد الفتن؛ لأن الدين الإسلامي دين موافق للفطرة الإنسانية ليس فيه إفراط ولا تفريط، شرعه الخالق العليم بخلقه، ولا يخفى على أحد ما يكتنف المرأة من مخاطر وفتن في سفرها دون محرم يكون حصنًا منيعًا لها؛ لذلك وجهنا الرسول الكريم -صلوات ربي وسلامه عليه- إلى اشتراط المحرم في سفر المرأة عمومًا حيث قال: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَسِيرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا» (رواه الإمام الربيع وغيره).
كما جاءت في شعيرة الحج لطائف ربانية بالمرأة على يد معلم البشرية -صلوات ربي وسلامه عليه- وهو يعلم الناس مناسك الحج في حجهم الأول، فسن للنساء أحكامًا خاصة تقتضيها الفطرة النسائية التي تعتري كل امرأة من حيض ونفاس، فبين أحكام المرأة الحائض والنفساء في الحج، حتى لا تحرم من هذه الشعيرة التي لا تأتي في العام إلا مرة واحدة، فأجاز لها جميع أعمال الحج ومناسكه وهي على غير طهارة إلا الطواف بالبيت، وفي ذلك تيسير ومراعاة للمرأة، حتى تشاطر الرجل نفحات الحج المباركة، وتسمو بروحها في استجابة نداء الطاعة لله بتأدية فرائضه، ومما جاء في ذلك أن الصحابية أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يأمر أسماء «أن تغتسل وتهل»، (رواه الإمام مسلم وغيره)، وقد جاءت قاصدة أداء فريضة الحج مع المسلمين، وفي ذلك تيسير وتكريم للمرأة ومراعاة لفطرتها التي لا تنفك عنها.
ومن معالم التيسير على المرأة في الحج أن رخص لها الخروج من مزدلفة إلى منى ليلًا قبل طلوع الفجر؛ رفعًا للحرج عنها خاصة في الزحام الشديد، وشرع لها الإنابة في رمي الجمرات عند وجود المشقة، فأي تشريع أعظم من هذا التشريع الذي حفظ المرأة في كل نسك وشعيرة، مع أن شعيرة الحج لا تتكرر إلا مرة في العام، وهي فريضة على كل مسلم تحققت فيه شروط الاستطاعة، قال تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)، ومع تحقق هذه الاستطاعة في المرأة إلا أن الشارع لم يغفل عن الفروق البدنية بينها وبين الرجل، فرخص لها في المناسك ما يتناسب مع قدراتها البدنية.
وفي الحج كانت الخطبة التي أرسى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أسس صلاح المجتمع المسلم، وللنساء الحظ الأوفر منها؛ ليذكر الرجل بالأمانة العظيمة الملقاة على عاتقه تجاه المرأة، وهي الجناح الآخر للمجتمع، الذي يتوقف عليه صلاحه ونهضته، بل هي أساس بناء الحضارات ونهضتها ما اتخذت من النهج الرباني سراجًا منيرًا يهديها الطريق إلى فلاح الدنيا والآخرة، ومما جاء في خطبة الوداع تلك: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوانٌ عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا وإن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (رواه الترمذي)، وفي رواية: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (رواه مسلم)، وفي هذه الخطبة تقرر الكثير من الأحكام الأسرية والوصايا الزوجية بين المرأة والرجل منها: حق القوامة للرجل على المرأة، قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ)، كما أوجب حق الطاعة للرجل والاستئذان، وحفظ العرض، وواجب النفقة على الرجل للمرأة، والمعاشرة بالمعروف بين الزوجين، بل أكد على الإحسان إلى المرأة، مع أن الإحسان واجب على المرأة والرجل؛ وذلك حتى لا يظلم الرجل المرأة وهي الطرف الأضعف عادة، وجعل الضرب غير المبرح حلا لإنقاذ الحياة الزوجية واستمرارها عندما يتعذر حل نشوز الزوجة بالوعظ والهجر، قال تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)، فالضرب تشريع إغاثة وعلاج لا تكريم للرجل واستعلاء، وكل تلك الوصايا والتوجيهات من سيد البشرية من أجل الحفاظ على بناء الأسرة المسلمة؛ لأنها لبنة بناء المجتمع وأساس صلاحه.
كل تلك المعاني السامية في التشريع الإسلامي تستحضرها المرأة المسلمة وهي تؤدي فريضة الحج، أو تمر بموسم هذه الشعيرة الجليلة، مستشعرة دورها في البناء الحضاري للإنسانية جمعاء.