من أسرار نهضة الأندلس

علي بن سعيد العلياني –

عندما نذكر الأندلس كحضارة إسلامية قبل مئات السنين فالعنوان الأبرز والتركيز الأكثر ينصب على النظافة والنظام وحسن الترتيب والأضواء والأناقة والرقي والتقدم، أي أن النظافة هي أساس الرقي والتقدم. وعندما نذكر الأندلس بشوارعها الجميلة وساحاتها النظيفة وأهلها الذين كانوا يتمتعون بالهندام الجميل، تغمرنا السعادة والفرحة والافتخار بحضارة قديمة كان عنوانها الواضح العريض هو المحافظة على النظافة والنظام.
نحس أن إسلامنا هو المصدر الأساسي لبناء مجتمع نظيف يتمتع أبناؤه بكل أسباب السعادة والتقدم والرقي الحضاري والجمال، سواء جمال الهندام أو جمال الروح، فجمال الروح هو أساس الجمال كله والمحرك الذي يبرز الأناقة في أبهى صورها. وتقفز إلى أذهاننا أسبقية المسلمين إلى هذا المجال الحيوي المهم وأنهم كانوا مثالاً يحتذى وصورة مشرفة يقتدى بها، بل كانوا محط احترام وتقدير وإعجاب من باقي الشعوب المحيطة بهم. إذاً هذا هو سحر النظافة الأندلسية الذي سرق الألباب وأخذ بمجامع القلوب.
عندما نذكر الأندلس نشم عبق التاريخ الذي يخبرنا أن الأمم تبنى بسواعد أبنائها المخلصين الذين تشربت قلوبهم بحب الأناقة والجمال الذي يظهر حب العبد أن يرى أثر نعمة الله عليه، فالحق هو القائل: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). وحب الجمال منشق عن الاهتمام بالنظافة ومراعاة التخلص من كل ما من شأنه إيجاد بيئة ذات مناظر تعكر صفو النفس أو السماح لنشوء بيئة توجد أمراضاً وأوبئة وآفات. وهي الحضارة، أندلس الرقي والازدهار، اندلس النظافة والإبداع في حسن التنظيم والترتيب والتخطيط للشوارع والمدن والأحياء، نذكر أن أساس هذا كله هو ثقافة أهلها المحبين للعلم والعلماء والشغوفين بالبحث والابتكار وإيجاد الطرق والأساليب الموصلة إلى بناء مدن جميلة ونظيفة.
وبها نعلم أن الجهود المخلصة هي التي تفعل العجائب وتقهر المستحيل، وأن الإرادة القوية والتوجه نحو تحقيق الغايات والأهداف، يحتاجان إلى عزيمة وإصرار على قبول التحدي مهما كانت التضحيات.
إننا نذكر مجداً تليداً وحضارة مشرقة بنيت على أنقاض مملكة كانت تغرق في بحر من الظلام الدامس والجهل والتخلف والأوحال، ولكن كانت الأولوية عند أهلها هي التخلص من هذه المفردات السيئة مهما كلف الأمر. وكان لهم ما أرادوا، فالليل تحول إلى صباح مشرق، والنهار المثخن بالآلام والأمراض والأوجاع غدا نهاراً سعيداً يتزين بالبهجة والسعادة والعزيمة والقوة، وتحولت الشوارع القذرة إلى أماكن جميلة ترتاح العيون لمرآها، وتوارى الجهل خلف رايات العلم التي رفرفت عالية خفاقة في سماء كانت تنتظرها بشوق ولهفة. ونقف وقفة إجلال وإكبار أمام هامات علت لأنها عرفت كيف تحقق أهدافها وتصل إلى غاياتها عن طريق المضي قدماً في تنقية الهواء والغذاء والبيئة من كل الشوائب والمنغصات مع ما في هذه العملية من الصعوبات والتعقيدات إلا أنهم تجاوزوها مع أنهم لم يكونوا يملكون المعدات والوسائل والأجهزة والتقنيات التي نملكها اليوم وإنما كان الاعتماد على سواعد الرجال وما توفره البيئة وما تسعف به العقول من خطط وإبداعات وإيجاد حلول لكل ما يعترضهم من عقبات.
عندما نذكر الأندلس لا بد لنا أن نتساءل ما الذي أوصلهم إلى هذه المراتب من التقدم في ظل مجاورتهم اللصيقة لبيئة تغرق في ظلام الجهل والتخلف ونتساءل أيضاً كيف كانت لهم هذه الهمم وقوة الإرادة، وما الذي كان يدفعهم إلى تبني هذه السياسات التي أوجدت حضارة عظيمة يذكرها التاريخ إلى أن تقوم الساعة، على أنها حضارة بزت كل الحضارات المعاصرة لها وصارت مثالاً يحتذى بها وقدوة تتبع في شتى المجالات والميادين.
عندما نذكر الأندلس التي ازدهرت حضارتها في زمن خبا فيه صوت الحضارات واختفت فيه القدرات نحو التقدم والرقي والازدهار ونتكلم اليوم عن واقعنا في ظل حضارات وأمم متقدمة وصلت بالتكنولوجيا ورؤوس الأموال الضخمة وتبني سياسات مدروسة إلى قمة الهرم في النظافة العامة والخاصة ماذا نقول لأنفسنا عن وضعنا الحالي وهل يحق لنا أن نتساءل لماذا لا نبحث عن حلول وهل نحن قادرون على الوصول إلى القمة في مجال النظافة وما هي العوائق إن كانت هناك عوائق، لأن الطريق واضح فقد مشى فيه الأوائل في الأندلس.
الأندلس حضارة أنشأت على أسس صحيحة وبنيت على أركان قوية، ولكي تنشأ أي حضارة نشأة قوية تؤهلها لأداء دورها المنشود، لا بد أن يتمتع أهلها بموفور الصحة والعافية. وهذا المطلب لا يتوفر إلا مع وجود أسباب بعينها، وعلى رأسها المحافظة على النظافة والنظام بكل ما تعنيه الكلمة وما تحويه من جوانب وأبعاد فالعملية من ناحية النظافة تكاملية لأبعد الحدود وتعاونية حتى النخاع لا بد أن تتكاتف فيها الجهود واهم ما في هذا الأمر أن تكون النظافة حاضرة مع الجميع الذكر والأنثى والكبير والصغير، فالنظافة حس اجتماعي شامل فلا انتقائية ولا تحديد وليست تخص فئة دون غيرها. الأندلس وحضارتها أيقونة جميلة لأنها كانت تحمل أبجديات النظافة والأناقة والروعة والجمال مع وجود التنوع في العلوم والثقافة وحب الرقي والتقدم مما خلق أناس بنوا حضارتهم على أتم التناسق والتكامل بل وكانت لهذه الحضارة قوة تحميها من بطش الأعداء. لقد أضحت حضارة تشمل كل المجالات الاقتصادية والعلمية والعسكرية والترفيهية ومعروف أن العلوم والآداب ازدهرت في حضارة الأندلس أيما ازدهار. الأندلس الحضارة والنهضة والبناء والصعود إلى القمة كانت تجربة رائدة نذكرها لكي نعلم أن لا مستحيل ولا صعب ولا عقبات تقف في طريقنا للوصول إلى الهدف الذي نسعى إليه إذا كانت عندنا عزيمة ونمتلك الإصرار وحب التحدي، فالهدف الكبير لا بد أن نبذل له جهوداً كبيرة وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام فالهدف هنا هو حماية المجتمع من الآفات والأمراض والنتائج السلبية التي تتركها عدم العناية بالنظافة عن طريق البذل والعطاء والتوعية والإرشاد وأن نكون قدوة في هذا المجال ولسنا بصدد مسألة التقليد لهذه الحضارة أو تلك بل أننا نأخذ منها على أنها توصلنا إلى بغيتنا ومرادنا وحضارة الأندلس كانت قائمة على التخلص من كل ما يعيق التقدم والازدهار وعلى رأسها عدم العناية بالنظافة في كل المواقع والميادين والأشخاص الذين كانوا يعيشون في محيط بيئتها.
الأندلس كحضارة بنيت بأيدي مسلمة قامت بنقل الثقافة القائمة على أن سطوع النور وبهاء المكان وخلو البيئة من الملوثات أيا كانت وهو من صميم الدين أسس العبادات في ديننا الحنيف فلا صلاة بدون طهارة ولا قراءة قرآن بدون وضوء، وإسباغ الوضوء على المكاره مما يوصل إلى المراتب العليا في الجنة وبالتالي كوننا مسلمين يجب أن نأخذ الدين بكل تفاصيله فمن غير المعقول أن نأخذ القشور وترك اللباب وربط النظافة بأدق التفاصيل معناه أنك أن تكون نظيفا في كل مكان فالصلاة تتطلب نظافة البدن والثوب والمكان وبدون نظافة أي من هذه المكونات الثلاثة لا تصح الصلاة.