عين على الثقافة المرورية :تعليم السياقة سابق لضبط المخالفات

حمد بن سالم العلوي –
لقد سبق لي وأن كتبت مطالبا بتطوير نظام تعليم السياقة، واليوم أعيد طر الموضوع نفسه، لعل وعسى أن تكون قد تطورت قناعة المسؤولين حول ضرورة تطوير صنعة سياقة السيارات، بحيث تكون قواعد وآداب المرور سابقة لتعلم قيادة السيارة عمليا، لأن السياقة العملية إذا لم يرافقها فهم في قواعد وآداب المرور «التثقيف المروري» فإنها تكون أشبه بمن يبني عمارة من عدة طوابق بدون خارطة تضبط مسار العمل، فقد كنا نعتمد في الماضي على القيم والأخلاق العُمانية، تلك القيم التي اكتسبها الإنسان العُماني من قيم السبلة العُمانية وآدابها، فكانت تلك الأخلاق دليله في التعامل مع الآخرين، أما وقد اختلط الحابل بالنابل في هذا الزمن المرتبك، وذلك بسبب وجود كم كبير من الوافدين، فأصبحوا يشاركوننا الطريق نفسه، وكلٌ يعمل بثقافة وطنه الذي أتى منه، لذلك لم يكن هناك انسجام وتجانس في الفهم على الطريق، والسياقة لغتها الفهم المتبادل وليس الكلام، وهذا هو الشيء المفقود اليوم، الأمر الذي جعلنا نفقد الضابط المشترك الذي كان يحدد سلوكيات الناس على الشارع العام.

إن المرء إذا نزل بأرض قوم، كان لزاما عليه التقيد بشريعتهم وأنظمتهم وأعرافهم، وإن من أوليات قيم السيادة على الإقليم، هو فرض الأنظمة المحلية على جميع السكان، وذلك حتى لا تتداخل المفاهيم وتتصادم مع غيرها، لهذا كان الواجب علينا أن نلزم الذين قدموا إلى إقليمنا، بضرورة فهم القوانين والأنظمة المحلية، وفرضها عليهم جبرا، وفي ذلك مصلحة عامة تحفظ الروح والمال، والحقوق في استخدام الطريق المشترك، فعلى سبيل المثال عندما تتلاقى المركبات عند التقاطعات، وهي تخلو من الإشارات الضوئية، أو الرقابة الشُّرطية، فيجب أن يكون هناك فهم مشترك بين جميع السائقين، والتصرف بينهم يجب أن يكون من تلقاء أنفسهم، وبحسب الأولوية المتعارف عليها، كما يفرض الواجب عليهم فهم ذلك، وهذا يخالف ما يحدث الآن في واقع الحال، فإن الطريق يكون للأكثر جرأة، والأسرع حركة وإقداما، وهذه أفعال تمثل شريعة الغاب، ولا تمثل أي نظام حديث متحضّر، والغريب في الأمر أننا في السلطنة، كنا مضرب المثل في الاحترام والالتزام المروري، أما اليوم فصار هناك تشابه بيننا والآخرين، الأمر الذي ألغى تميُّزنا عنهم.
إذن؛ المطلوب اليوم تطوير فهم السائق، وذلك بما يحويه قانون المرور العُماني ولائحته التنفيذية، لا أن نأتي بأنظمة مرور مترجمة من بلدان بعيدة عن قيمنا وعاداتنا، ثم نأتي بالمخالفة من القانون العُماني، فنلزم الناس بها وهم غرباء عنها، حتى إن قانون المرور وتعديلاته التي صدرت مطلع عام 2018م، لم تصل للسائق إلى الآن، ولكنه غير مُعفى من تطبيقه لهذا القانون، فعندئذ يحق للسائق أن يحتج بجهله للقانون وهو محق في ذلك، ومقولة لا جهل بالقانون يكون عند توفره، وعدم العمل به، فيُعد ذلك مستحيلا طالما كان بعيدا عن تناول يده، لذلك توجَّب الإسراع في إنشاء وترخيص معهد للسلامة المرورية، يكون تابعا للقطاع الخاص أسوة ببلدان العالم الأخرى، حيث تقوم هذه المعاهد بالتثقيف المروري، والتعليم الجاد على أجهزة المحاكاة الميكانيكية للسياقة، وبكل اللغات الشائعة في تلك البلدان، فإذا تجاوزها الشخص يُعطى الإذن بتعلم السياقة، وهنا سنوجد جيلا جديدا أكثر فهما في السياقة، لا يحتاج إلى مطبات تفرض عليه تخفيف السرعة، إذن لا يكفي أن نطور فقط في أجهزة ضبط السرعة، حتى أصبحت اليوم تواكب الموضة في حداثتها وتلونها، ونهمل تطوير أداء السائق، وذلك بعد 49 عاما من عمر النهضة العُمانية الحديثة.
– اعلم أخي السائق: {أن السياقة .. فن .. وذوق .. وأخلاق، وأنك أنت عقل السيارة، فهي لا عقل لها، وعليك أن تتجنب أخطاء الآخرين}.
(*) – خبير جدول معتمد في تخطيط حوادث المرور – مؤسس مركز طريق الأمانة لخدمة السلامة المرورية.