التقـارب بـين «النهضـة» والتنمـية المسـتدامـة

مع اقتراب الـ 23 من يوليو ذكرى تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم في 23 يوليو 1970، فإن هناك العديد من المعاني التي يمكن استحضارها التي تشكل ما يعرف الاصطلاح عليه بإرث النهضة العُمانية الحديثة، فهذه المسيرة التي استمرت لقرابة خمسين سنة إلى اليوم، حملت العديد من الأفكار والرؤى والقيم التي ترسخت عبر الزمن وكانت بمثابة نبراس يسير عليه الإنسان العُماني في اكتشاف مسارات الحياة الإنسانية والمساهمة في كافة قطاعات الإنتاج في الدولة العصرية.
واحدة من المعاني الاستراتيجية والمهمة التي يجب أن نقف عندها، هي فكرة أو مصطلح ومفهوم «التنمية المستدامة» الذي برغم حداثته حيث ظهر في مطلع الثمانينات من القرن العشرين، إلا أن السلطنة كانت قد اشتغلت عليه بشكل أو بآخر من خلال الممارسات التنموية والعمل الجاد على إنتاج سياق جديد للحياة الإنسانية في البلاد، في مشروع التحديث الذي قاده جلالة السلطان المعظم، هذه الرحلة التي لها أبعاد كبيرة ودلالات من حيث إعادة استكشاف خصائص الإنسان والزمان والمكان واستيعاب الكثير من المعطيات التي شكلت في نهاية المطاف مشروعا راقيًا انعكس على الواقع العملي.
استخدم مصطلح «التنمية المستدامة» لأول مرة من قبل الاتحاد الدولي من أجل حماية البيئة سنة 1980، وكان يشير في البدء إلى الدلالة البيئة وعلاقة الإنسان بالمحيط الحيوي من حوله، غير أن المفهوم تم تطويره وأدمج في العديد من سياقات الحياة ليكتسب معاني عميقة وكبيرة ومتسعة، وبحلول عام 1987 كانت أمام العالم نسخة محدثة من المصطلح جعلته يتعلق بالقدرات المستقبلية، وكيف للتنمية أن تكون حزمة من المشروعات والبرامج والخطط والأفكار التي تقود في نهاية المطاف إلى تأمين المستقبل عبر الاسترشاد بقوة الإرادة الإنسانية والقدرات والإمكانيات الكامنة في المكان والزمان المعينين.
تعني التنمية المستدامة اليوم صورة متكاملة تربط الواقع والمستقبل معًا في سبيل الاستجابة للحاجيات المستمرة لجيل اليوم والأجيال المقبلة، بحيث يمكن تلافي الأخطار والتوقعات غير المحسوبة، وهو تقريبًا المفهوم ذاته التي نسجت عليه السلطنة طريقه ومشوار مسيرتها في النهضة منذ السبعينات وإلى اليوم، حتى لو لم يكن ثمة مصطلح يضبط هذا المعنى. ويمكن القول بأن معنى كلمة «نهضة» قد ترادف هذه الدلالة في المعنى، على الأقل تتقارب معها، في كون النهضة مفهومًا يعني بالاستمرارية والنظر المستمر إلى الأفضل، والتحديث والعصر.
وربما كان مفهوم النهضة أكثر سعة باعتباره يتضمن المعاني المادية والروحية والقيم وكافة هذه المسارات المرئية واللامرئية في تجربة الكائن البشري، في حين ان التنمية المستدامة ذات إطار أكثر تحديدًا.
لقد ساهمت السلطنة وما زال تساهم عبر تجربتها التي تتطلب المزيد من القراءات، في التجربة الإنسانية على مستويات عدة، ولا شك أن مناسبات مثل «المنتدى السياسي الرفيع المستوى حول التنمية المستدامة» الذي ينظمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة المنعقد في مدينة نيويورك، يمثل فرصة لعكس مثل هذه التجارب الإنسانية، فثمة ما يقال ويُروى وهناك حكاية عظيمة وثرية اسمها النهضة الحديثة في سلطنة عُمان.