عن اليمين واليسار في سياق عربي !

محمد جميل أحمد –

بالرغم من أن فكرة اليسار في أصلها هي تعبير عن اتجاه وموقف سياسي فكري ذي رؤى نسبية في قضايا الشأن العام يفترض أن يقابلها اتجاه يميني نسبي حيال ما يطرحه اليسار من رؤى وأفكار في قضايا الشأن العام كذلك، فإن سياقات تصوير اليسار في المنطقة العربية بدا كما لو أنه الاتجاه الأوحد في التعبير عن الحداثة والصواب الفكري والسياسي والتقدمي، وبطبيعة الحال لا تعكس هذه النظرة سويةً موضوعية لفكرة اليسار ذاتها كاتجاه يقابله اتجاه آخر في الشأن العام؟!
ووفقًا لهذه النظرة التي عممت اليسار على هذه الشاكلة التي لا يمكن تصورها إلا في منطقتنا العربية، من الأهمية بمكان اليوم، استعادة سوية موضوعية لفكرة اليسار بوصفها اتجاها نسبيًا في الشأن العام لا بد أن يقابله اتجاه يميني؛ من أجل استقطاب إشكالات سوء فهم في أوساط فئات ترى في اليسار هوية حصرية للحداثة والمعرفة والفنون وحتى الإبداع!
هذا بالتأكيد سيغيب فكرة التوازن في رؤيتنا للحياة العامة، كما سيغيب فكرة الحرية التي لا تقبل تصورًا للحياة باتجاهٍ واحد!
وفيما اتضح اليوم جليًا، بعد تجارب سياسية حدَّية مريرة، ما يبرر مشروعية هذه التساؤلات حيال إعادة الاعتبار لفكرتي اليمين واليسار لكل ناظر في الشأن العام، اتضح كذلك أن أي تعويم لاتجاه واحد في حياة متعددة بطبيعتها، هو شكل من أشكال الأوتوقراطية التي ستنتج ردود فعل عكسية خطيرة في حياتنا العامة.
لذا نحتاج اليوم لتفكير عقلاني يضع مفهومي اليمين واليسار في إطارين نسبيين فمما هو معروف ومحسوم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة -بخلاف العالم العربي- أن كلا من مفهومي اليمين واليسار ظلا مفهومين نسبيين يصدران عن رؤى متناظرة ينظر إليها بسوية واحدة من النقد والتفكير فيهما، بحيث يمكن الانتقال بينهما بسلاسة أحيانا.
أما في منطقتنا العربية ونسبة لاستقطاب الحرب الباردة؛ فقد كان مفهوما اليمين واليسار مفهومين لا يملكان السوية ذاتها كما في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، بل كان هناك فهم لليسار يدرجه ممثلا حصريا للحداثة والتقدم وفهم حصري لليمين يدرجه في الرجعية والتدين.
وهذا هو سبب الخلل الذي نشأت عنه تجارب كارثية في ممارسات التسييس التي انتظمت منطقتنا العربية.
ذلك أن أصل ميول اليمين واليسار في توجهات البشر تمثل التقابلية الثنائية التي تفرضها نزعاتهم، ثم يتم التعبير عنها عبر مواقف حياتية وسياسية متوزعة بين الطرفين.وإذا ما بدت الكثير من البرامج السياسية لأحزاب اليمين واليسار متقاربة مؤخرا، كما في أمريكا و أوروبا الغربية، لجهة أن الكثير من الاستحقاقات الأصلية للمواطنين أصبحت ناجزة، لا سيما مهمة الدولة الكبرى في عقلنة المجتمع وتأمين حاجياته، فإن الأمر في سياقنا العربي مختلف؛ بحيث يطرح علينا تحديًا يتوفر على تسوية نظرية في التصورات العامة للناس حيال اليمين واليسار في منطقتنا، من حيث ضرورة احترام كل من اليمين واليسار كجهات نظر إنسانية للاختلاف بين البشر في علاقات الشأن العام والمجتمع. عند ذلك يمكن أن نكون على سوية موضوعية تسمح لنا برؤية نسبية لكل من اليمين واليسار في المجال السياسي، وعلاقة التقابل بين مفهومي اليمين واليسار -كما بدا مؤخرًا- قد تكون من قبيل التجاوز؛ فحزبا أمريكا: الجمهوري والديمقراطي، مثلًا، هما حزبان ديمقراطيان، ويعملان من أجل الوطن من داخل فكرة الوطن، ومن داخل فكرة الحزب، ومن داخل سياق الحداثة، وكذلك من داخل التأطير النسقي للتعبيرات الدينية.

وما لا ينتبه إليه كثيرون هو أن تلك الحدية النسقية في الفهم الدوغمائي لليمين واليسار في سياقنا العربي، تهدر احتمالات نسبية في كل من مفهومي اليمين واليسار عبر تلوينات تطال المفهومين بألوان عديدة ممكنة (ماعدا اليمين المتطرف واليسار العدمي).
وإذا ما أمكننا تمثيلًا لتصور علاقة التناقض المطلق بين اليمين واليسار في حدين أقصيين في سياقنا العربي، فيمكن أن نمثل لذلك باليمين العدمي للحركات الإرهابية التي تفكر بمنطق لا تاريخي، وكذلك الحركات ذات الأيديولوجيات النسقية، وهو ما قابله في الغرب اليمين المتطرف الذي أسس للأنظمة الشمولية المدمرة في أوروبا بين الحربين العالميتين كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا.

إعادة التفكير في هوية اليسار واليمين والتذكير بأن اليسار -كما اليمين- يمثل اتجاها في رؤية العالم، وتصورًا عامًّا للحياة تندرج تحته تصورات سياسية، هو فقط ما يجعلنا مدركين أن اليسار ينبغي أن يكون اتجاهًا وتصورًا نسبيًا له أدواته وأحزابه وآراؤه في قضايا الشأن العام، ولكن لا ينبغي له (ولا يستطيع) أن يكون تعبيرًا حصريًا عن سوية مطلقة ومبدأ تفسيريًا ومعياريًا واحدًا في حياة إنسانية متعددة بطبيعتها، وهي إعادة تفكير ستردنا كذلك إلى إعادة الاعتبار لليمين (بعيدًا عن اليمين الديني) في كونه اتجاهًا حياتيًا وسياسيًا ينبغي إعادة الاعتبار له في منطقتنا العربية من خلال التفكير في سوية تعددية لليمين، كيمين الوسط مثلًا.