تحديات اقتصادية

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

حققت موجات الغضب الهادرة التي اجتاحت السودان منذ 19 ديسمبر2018 جانبا أساسيا من مطالبها السياسية بعد الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري ، لكن ماذا عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السودان ؟ وكيف يمكن الحد من الفقر والتهميش وإشاعة العدالة الاقتصادية ومكافحة الفساد والتمييز وتوزيع الموارد قطاعيا وجهويا وفق خطة مدروسة تسد الفجوات التي تعاظمت بين المركز والأطراف؟ . ما الطريق إلى بناء اقتصاد حديث وكفؤ ذي نمو مستدام وقوي ؟ وكيف يتوافق أهل السودان على ذلك ؟ وما المدى الذي يمكن أن تتحقق فيه نتائج على الأرض ؟ ومن الذي يضمن استدامة العمل على هذا البرنامج بعيدا عن أي تقلبات سياسية بعد أن تنتهى المرحلة الانتقالية وتبدأ السلطة المنتخبة عملها ؟ .
لا اعتقد أن كثيرين يعرفون الصورة الكاملة لوضع الاقتصاد السوداني بعد 30 سنة من حكم جبهة الإنقاذ، ومن هنا يجب أن نعرف ذلك ، ومن أهل الاختصاص ، ومن واحد من أهل السودان انفسهم ، وله سمعته البحثية إقليميا ودوليا ، فضلا عن انه عمل من قبل في البنك الدولي فترة طويلة ، ومارس ويمارس مهام متعددة اقليمية ودولية على صعيد البحث الاقتصادي.
يقول الدكتور ابراهيم البدوي – زميل البحوث الرئيس غير المقيم في مركز التنمية العالمية بواشنطون – في ورقة بحثية شاملة له حول الطريق الى بناء برنامج للنهوض الاقتصادي في السودان ، تفضل واهداني نسخة منها ، ان نصيب التعليم والصحة مجتمعين ظل أقل من 10% من الموازنة طيلة حكم الإنقاذ، بما في ذلك خلال الحقبة النفطية، مما ترتب عليه آثارا كارثية على حاضر ومستقبل البلد ، ولم يتعد الصرف على قطاعي الزراعة والصناعة 10 % من الموازنات المتعاقبة، مما كرس أيضاً للتدهور الاقتصادي واختلال موازين التجارة الداخلية و الخارجية وتردى الخدمات والتشغيل . ويؤكد ان الأزمة الاقتصادية الهيكلية المستحكمة التي هيمنت على الاقتصاد السوداني جعلته يتخلف كثيرا عن دول افريقية ناهضة مثل كينيا وأثيوبيا خصصت حوالى 35 %من موازناتها للتعليم والصحة، بينما تفوقت أثيوبيا لجهة اهتمامها بالزراعة، حيث وصلت حصة القطاع الزراعي في موازنتها للعام الماضي إلى حوالى 12% ،مما حدا بمنظمة الزراعة والأغذية العالمية إلى الإشادة بها والتنويه إلى أنها تخطت عتبة الـ10% التي أوصت بها المنظمة بالنسبة للدول الإفريقية قليلة الدخل. وبعد أن يستعرض البدوي – وهو سوداني الجنسية ويشغل ايضا حاليا مدير منتدى البحوث الاقتصادية للدول العربية وتركيا وإيران – كل مظاهر سوء الإدارة وعدم العدالة وشيوع الطفيلية والزبائنية او المحسوبية وإهدار الإمكانيات وإهمال الأطراف والفلاحين والرعاة في الحقبة التي سقطت يطالب في برنامجه للنهوض الاقتصادي اولا بالحرص على مبدأ «الملعب المستوي أي الذي يتيح الفرص المتساوية لكل أفراد ومكونات المجتمع، والذي بلا شك يتطلب تصفية كافة الامتيازات التي حصل عليها منسوبي النظام السابق واسترداد الأموال المنهوبة ومراجعة ما استولى عليه بثمن بخس أصحاب الحظوة خلال خصخصة المؤسسات والمشاريع العامة التي بيع معظمها أيضا دون وجود أدنى معايير الشفافية والضوابط الناظمة. ودعا إلى اعتماد معالجات فعالة للمظلوميات والتهميش الجهوي الذي ألحقه نظام الإنقاذ بأهل السودان في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق بصورة جذرية وبناء القدرات من حيث التعليم والتدريب والتأهيل للكل دون تمييز، مشيرا إلى أن أبلغ دليل على غياب الرؤية الاستراتيجية وضعف إدارة الاقتصاد في السابق يتمثل في تبديد الموارد خلال الحقبة النفطية وعدم استخدام إيرادات النفط الهائلة (بمقاييس الاقتصاد السوداني)، لبناء اقتصاد متنوع يستطيع امتصاص صدمة انفصال جنوب البلاد، والتي كانت تُرى رأي العين، حيث بلغ الوضع الاقتصادي درجة متردية من الهشاشة والانكشاف عشية استفتاء الجنوب على الانفصال، فقد بلغ العجز في الحساب الجاري 8 % من الناتج المحلى في عام 2010 .
أي قبل عام، بينما كان احتياطي البلاد من النقد الأجنبي يكفي فقط لمقابلة شهر واحد من الواردات وفى نفس العام كانت الصادرات غير البترولية تساوي 10% فقط من الصادرات البترولية.
ويدلل على انعدام الكفاءة المفرط بدعوة قيادة سوداني في اكتوبر 2017 الى معالجة الأزمة الاقتصادية بطبع نقود بلا حساب دون أي اعتبار للمحددات الاقتصادية أو العلمية والمخاطر الواقعية المتمثلة في انفجار التضخم اكثر واكثر.
ويضاف إلى هذا الجهل كما يقول إطلاق يد القوات النظامية في الدخول إلى المجال الاقتصادي والتجاري والخدمي دون هدى، وتكسيح القطاعات المنتجة، وخنق الرأسمالية الوطنية ذات الخبرة، والاستغلال البشع للنظام المصرفي لإثراء منسوبيهم، وإضعاف سُلطة ودور البنك المركزي، وإنهاء ولاية وزارة المالية على المال العام، وتهميش دور ديوان المراجعة العام وإيقاف كافة آليات الرقابة والمساءلة مما قاد إلى أن استشرى الفساد ووصل الانهيار الاقتصادي حد عجز البنوك عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المرتبات، وانهيار ُثقة المودعين وارتفاع أسعار السلع والخدمات ارتفاعا جنونيا» .
يدعو البدوي إلى إحداث تحولات سياسية واقتصادية عميقة وجذرية لتحقيق أهداف الثورة: الحرية، السلام، العدالة، الأمر الذي يتطلب تحقيق عدة انتقالات محورية: تشمل الانتقال من الدولة المتسلطة المحتربة مع بعضها إلى الدولة الديمقراطية الآمنة. والانتقال من الدولة النهابة الفاسدة إلى دولة القانون والمؤسسات والمساءلة أمام شعبها. الانتقال من دولة المحاصصة الزبائنية الجهوية – القبلية إلى دولة التنمية القومية العادلة والشاملة. الانتقال من الدولة الجبائية الظالمة إلى دولة الرعاية الاجتماعية العادلة. الانتقال من الاقتصاد الريعي ضيق القاعدة إلى اقتصاد متعدد الأقطاب جهوياً ومتنوع قطاعيا، وأخيرا الانتقال من اقتصاد ضعيف الإنتاجية إلى اقتصاد معرفي ترفده عمالة شابة عالية التأهيل والإنتاجية.
وتفصيليا يشتمل البرنامج المقترح عدة محاور أهمها سياسات تثبيت الاقتصاد الكلى وتطوير ومأسسة السياسة المالية وضبط العلاقة بين السياستين المالية والنقدية وملاحقة الفساد وتصفية مكاسب طبقة الإنقاذ الطفيلية وإنهاء الدياسبورا السودانية – الشتات – وإقامة صندوق للإعمار وبناء القدرات ومجلس إستشارى للتخطيط الاقتصادي. كما يؤكد الباحث على الأهمية البالغة للتوأمة الاقتصادية بين دولتي السودان في إطار إستراتيجية للتكامل الاقتصادي الاقليمي. ولفت نظري في الطرح البحثي الجاد والشجاع توقف الباحث عند ضرورة تخفيض الصرف على القطاعين السيادي والأمني، حيث يستحوذ هذا البند على أكثر من 60% من الموازنة. وقال إن هناك أيضاً مسألة حيازة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، تقدر بملايين الأفدنة، تم منحها بشكل غامض إلى شركات متعدية الجنسية لاستغلال هذه الأراضي لعشرات السنوات مما يعتبر تفريطا وطنيا تتوجب ملاحقة مرتكبيه.
في المدى القصير او خلال الخطة الإسعافية (200 يوم) كما يرى البدوي فان الواجب الحتمي هو تصميم وتنفيذ برنامج لتثبيت الاقتصاد الكلى وهذا يشكل أهم داعم للقوة الشرائية للمواطن وفتح الباب لتحقيق الرفاه الاجتماعي عن طريق كبح جماح التضخم ووضع حد لانهيار العملة الوطنية وإعادة توطين النازحين وتمكينهم من الاندماج والمساهمة في منظومة الإنتاج، معالجة إسعافية سريعة لبطالة الشباب، بما في ذلك النظر في تقديم الإعانات النقدية المباشرة ذات المشروطية المناسبة. في المدى الزمني المحدود ايضا يجب إصلاح منظومة خدمات التعليم والصحة والمياه وغيرها من الخدمات الاجتماعية الأخرى وتوفيرها بكلفة معقولة للمواطنين أو مجانا.
يحتاج البرنامج في المدى الطويل إلى خطة عشرية من 2020 إلى 2030 تتضمن تحقيق معدل نمو 10% سنويا بما يضاعف الدخل القومى ثلاث مرات وقبل كل شيء لابد من تفويض شعبي عريض لبرنامج النهوض الاقتصادي هذا في إطار حاضن سياسي يحظى بقبول دولي وإقليمي بحيث يستطيع معالجة أزمة الديون الخارجية وإعادة تأهيل السودان كعضو فاعل في مجتمع التنمية الدولي والإقليمي وفي ظل نظام سياسي يستند إلى توافق وطني متين . ولا تعليق.