وتر: أن ترتبط بكاتب

شريفة بنت عـــلي التــوبية –

أن تحب كاتبا وترتبط به فأنت ترتبط بالشخص الأسوأ في محيط الحياة الاجتماعية، الشخص الأكثر هشاشة، والأكثر حساسية تجاه المواقف والأشياء المحيطة به، الشخص المختلف في طبيعته النفسية والعاطفية والمزاجية، المتلبّس بالحزن، المحلّق بعيداً عن السرب، العاشق لعزلته والذي قد يحب الكلمات أكثر مما يحبك، ويعتزلك في اللحظة التي تحتاج فيها إليه، لمجرد أن الفكرة قد دعته إليها، فأن تحب كاتبا وترتبط به فتلك مغامرة وبطولة في حد ذاتها، وما عليك إلا أن تتحمل طبيعته التي تميل إلى الكآبة وأن تعتاد تقلب مزاجه، وأن تعينه على تلك اللحظة الطويلة التي يحتاج فيها أن يكون وحيداً ومنعزلاً سوى من الفكرة وجهاز الحاسوب، وعليك أن تتقبل أن تكون الكتابة شريكا لك في قلبه وحياته، وليس أي شريك، إنه شريك أناني غيور، ينفيك ويبعده وما عليك سوى الرضى.
أن تحب كاتبا وترتبط به، عليك أن تحب مشروعه الأدبي وترتبط بنصوصه قدر محبتك له وارتباطك به، فالوصول إلي قلب الكاتب نصّه، وما نجاح كثير من الكتّاب الذين أحببناهم وقرأنا لهم إلا لأن هناك شريكا محبا مخلصا وهب عمره للأدب من أجل عيونهم، وأبرزهم صوفيا زوجة تولستوي التي كانت تقوم بتحرير ونسخ كتبه، وكذلك فيرا زوجة نابو كوف التي كانت تترجم وتنسخ مسوداته الكتابية، وحافظت على أعماله الأدبية حتى بعد موته ولولاها ما عرف القارئ روايته الأخيرة ( أصل لورا) التي أوصى بحرقها بعد موته لأنه لم ينته منها، وكذلك سوزان زوجة طه حسين التي أحبته وآمنت به وهو العربي الضرير القادم من صعيد مصر، فكانت رفيقته وعكازه ونور عينيه، ومرسيدس زوجة ماركيز التي باعت مجوهراتها من أجل شراء ثمن طابع البريد لإرسال مخطوطة روايته الخالدة ( مائة عام من العزلة) للناشر، ولا يقتصر ذلك على الرجل الكاتب بل أيضاً في علاقة المرأة الكاتبة بزوجها الذي تجد فيه شريكاً داعماً مثل علاقة فرجيينا بزوجها وولف، وسيلفيا بلاث بزوجها أيضاً، وعلاقة رضوى عاشور بزوجها الشاعر مريد البرغوثي، الذي كان سنداً لها في كل مراحل حياتها، لتنتج تلك العلاقة أدبا عظيما كثلاثية غرناطة وشاعر جميل كتميم البرغوثي، ولأن الكتابة من أصعب المهن كما قال همنجواي، لذلك فحين تحب كاتباً عليك أن تحب ما يكتب، وتحب جنونه وعقله، حضوره وعزلته، وأن تصدّق إبداعه حين ينكره الجميع، وأن تؤمن بأنه سيأتي بما لم يأت به غيره وأن لم يأت بشيء أبداً.