الفنان التشكيلي مازن المعمري لـ «عمان»: عملي الفني رسالة تاريخية.. ومعرضي القادم خارج عن المألوف

حـاورته- شـذى البلوشـية –

لا زلت أذكر خطواتي الأولى في 2014 حين دخلت دار الأوبرا السلطانية مسقط، وقد احتضنت «الأوبرا جالاريا» معرضا فنيا امتاز بدمج الموسيقى باللوحات التشكيلية.. لأقف أمام كل لوحة وهي تأسرني مع موسيقاها التي أسمعها بآلات حية.. وأشعر بها برسالتها التي تتحدث بها اللوحة..
هكذا عرفت الفنان التشكيلي «مازن المعمري» الذي كنت ألتقيه مرارا في المعارض والمسابقات، ولكن التوغل في عمق فكره المتفرد كان أكثر وضوحا من خلال معرضه الشخصي الأول «فن ونغم».. وتواصلت مشاركاته العمانية والخارجية.. منافسا وفائزا وحاضرا بفنه وفكره الراقي.. الذي يعكس صورة البيئة العمانية وإنتاجها لريشة فنية متفردة.. وروح فنان يطمح للاختلاف باحتراف..
اختارت «عمان» لقرّائها من خلال محاورة الفنان التشكيلي «مازن المعمري» التعرف عن كثب على عطائه وفكره الفني..

■ دعنا نبدأ مع الخطوات الأولى لريشة الفنان مازن المعمري.. كيف كانت بداياتك الفنية؟
كانت بدايتي التشكيلية مبكرا فقد كنت أمزج الألوان وأحولها حسب مزاجي.. في مزيج من الحلم الدافئ بطفولة تبحث عن مذاقات الحياة، ولأصقل موهبتي التحقت بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية، حيث تأثرت بالمدرسة الكلاسيكية الواقعية ثم انتقلت إلى التجريد الذي برعت عن طريقه في إيجاد الحداثة في رؤاه التعبيرية التي ألبستها انتمائي وهويتي وحضوري في الأرض، وقدمتها برؤية معاصرة، ولم أترك تفصيلا في البيئة والتراث إلا ونهلت من علاماته ورموزه بدلالاتها التي تعني رسوخا في الأرض والتاريخ الذي بدوره يعني الإنسان.

■ ألا تلهمك المناظر خارج السلطنة لرسم اللوحات التشكيلية لاسيما عند رحلاتك للمناطق السياحية في مختلف دول العالم؟
السفر يمنحُ الإنسانَ حالةً من الاسترخاء والاستمتاع بالبُعد عن المشاغل والضّغوطات والحياة الروتينية؛ حيثُ تُساهم مشاهدة الأماكن الطبيعية الجميلة بتغيير حالة الإنسان وصفاء ذهنه، ويستخرجُ الإبداع الذي بداخله مما يؤثِّر إيجاباً في الشخصية، ويُطلق مواهب الإنسان ويكتشف أفضل ما فيه؛ وذلك بسبب ابتعاد الإنسان عن مُحيطه الذي تحكمه عاداتٌ وتقاليدٌ مُعيّنة، مما يفتح له المجال بتجريب أمور جديدة، فضلاً عن تعرّف الإنسان على ثقافات مختلفة عن ثقافته الأصلية وهي فرصة لبداية عمل فني جديد بكل تأكيد.

■ ما هي مجالات الفن التشكيلي التي تركز عليها؟
أرسم لحقبة تاريخية مرت خلال حياتي الفنية فعملي الفني هو عبارة عن رسالة تاريخية أحاول من خلاله أن أنقل تفاصيلها، فهو الفضاء الذي أجد فيه نفسي وأحاول رسم ما قد يُرى صغيرا بطاقة عظيمة أحملها لتؤسس قطعة فنية متوحشة الرموز والألوان فهي منفذ فلسفاتي بمعانيها المتنوعة والمتباينة غير أن مجمل الإسقاطات تأتي بين المنع والانغلاق والانفتاح، فأنا أسعى من خلال عملي للإشارة إلى صورة الحقيقة المعكوسة في عمل الإنسان ككيان في الوجود، علاقاته هي التي تحركه وتوجد تفاعله مع الآخرين فقد مثلتُها بتبقيعات اللون الوضاءة على السطح لذا فإن كل من يسعى بوعيه ولا وعيه إلى ربط الصلة وعدم عزل النفس مع من حوله في عمل يسرد في مجمله حقبة زمنية معينة يتبين ذلك في كل مستطيل، فالفن عبارة عن رسالة يتم من خلالها نقل تاريخ الحضارة والثقافة والعادات والتقاليد والعمارة العمانية. حيث ظل العمانيون على مدى الزمان يبنون بيوتهم بسواعدهم مستعملين المواد المحلية، وكانت العمارة مرتبطة بعمق الإرث الحضاري وأنا مهتم بالفنون الكلاسيكية وبفكرة توثيق الفن واتبع المنهج التجريدي الحداثي، كمسار يجسد المعاني التي تنتاب مواقفه من الوقائع والأحداث والتفاعلات، فهو جريء في خطوطه رقيق في تعبيره، حرفي في تجسيد اللون وإشباعه بالدلالات والتداخلات المكثفة الإحساس في تراكمات الفكرة التي يفتتها ويرتبها لتتشكل ببساطة وتترك أثرها في عمق التأويل لدى المتلقي.

■ بالحديث حول المعارض الشخصية.. حدثنا عن تجربتك في ذلك والمعارض التي أقمتها؟
معرضي الشخصي الأول (فن ونغم) أول معرض شخصي، وكانت فكرة المعرض الجمع بين الموسيقى والفن التشكيلي في مزاوجة جميلة تحصل للمرة الأولى، وبشكل حصري، وكانت إقامة المعرض في دار الأوبرا السلطانية مسقط، فحاولت أن أجسد الأعمال الفنية الأربعة والأربعين صورا مختلفة مستوحاة من الموسيقى، قمت بتجسيدها على لوحاتي بالأسلوب التجريدي وتحمل كل مجموعة منها سمة معينة تتناسب مع نوع الموسيقى الحية المقدمة في ذلك الركن بشكل يدمج الزائر في عمق اللوحات ويمنحه إحساسا فريدا من نوعه، حيث إن عالم الفن عالم متجدد ومتصل بالمتغيرات من حوله، والجمع بين هذه الفنون في معرض واحد هو عمل فريد من نوعه وذو قيمة فنية، ولقد خطرت لي الفكرة من خلال زياراتي المتكررة لدار الأوبرا السلطانية، فالمكان مميز يمنحك مشاعر رائعة، وتتذوق فيه الفنون بشكل مختلف، ففكرت بعمل يدمج هذه الموسيقى الراقية مع عمق اللوحات ومعانيها لأقدم عرضا فنيا مبتكرا يعكس التآخي بين الفن التجريدي الحديث وبين مفردات البيئة العمانية ويوفر للزائر لذة الاستماع والمشاهدة بآن معا.

■ بعد معرض «فن ونغم» الذي كان صورة جديدة للمعارض التشكيلية التي اجتمع فيها صوت الموسيقى بجماليات الريشة.. هل هناك أفكار متفردة جديدة تسعى لتحقيقها؟
لكل معرض فني فكرة عمل وأسلوب مميز وأنا في الحقيقة أحب التفرد في أعمالي لجذب المتذوق الفني والفنانين على حد سواء حيث تفوح من أعمالي عطر عبق التراث العُماني الأصيل.
ومعرضي القادم له طابع ممتاز ومتفرد بإذن الله تعالى، وسوف نطلعكم على التفاصيل بعد الانتهاء من الإعداد والتنفيذ.

■ ماذا عن المعارض المشتركة برفقة فنانين آخرين؟ هل يسهم ذلك في تقوية أداء الفنان وتبادل الخبرات؟
لا شك أن المعارض الفنية المشتركة لها فوائد عديدة منها إطلاع المشاهد على الاتجاهات الفنية المختلفة، ومجالات الإبداع والابتكار للعارضين، وتنمية النواحي الذوقية، والقدرة على تحليل ونقد العمل الفني، وهي فرصة لإبراز الدور الفني والتثقيفي للفنان عبر المعارض الفنية، التي لها دور فعال في تنشيط الذاكرة الجمالية ودفع عجلة الثقافة، بما تحويه من أفكار مستحدثة وملامح متعددة يقف عندها الفنان بخبراته، ويمعن النظر فيها، ويفكر في المضي بها إلى ما هو أقوم وأرفع، ويتذوق ما فيها من قيم فنية مختلفة ، ويتعرف على وسائل التعبير، والجديد من الأساليب، وطرق التنفيذ ومعالجة الخامات وتطويعها للعمل الفني . ولقد شاركت في عدة معارض مشتركة ع الصعيدين الدولي والمحلي.

■ لكل فنان أسلوبه في التواصل مع الجمهور .. وتبقى المشاركة في المعارض الدائمة من أهم طرق التواصل.. فما رأيك في ذلك؟
المعارض الفنيةً الدائمة تتيح للجمهور فرصة دراسة الاعمال الفنية وشرائها، واليوم تعتبر إقامة المعارض الفنية سبيل الشهرة الأوحد بالنسبة للفنانين الطالعين، ومن هنا حرص هؤلاء الفنانين على تقديم إنتاجهم للجمهور في معارض فنية يستهدفون منها التعريف بهذا الإنتاج وبيعه.

■ حدثنا عن أهمية التعاون بين الفنان التشكيلي والمصور الضوئي.. وهل يمكن أن تمتزج اللوحة التشكيلية باللوحة الضوئية وتخلق نوعا من التجانس؟
هناك تعاون مثمر دائم بين المصور الضوئي والفنان التشكيلي، ويتجلى ذلك في توثيق الصور الضوئية من خلال رسمها بشكل يعكس جمال الصورة بشكل مختف تماما عن الصورة.

■ الجائزة هي ثمرة النجاح في المنافسة.. فما هي ثمار نجاحك التي حصلت عليها؟
حصلت على عدة جوائز منها”جائزة المعرض السنوي للشباب، المركز الأول، ومعرض ملتقى كلية الشرق الأوسط، وجائزة لجنة التحكيم في ملتقى د.سعاد الصباح في الكويت، والجائزة الكبرى في ملتقى الرسم من أجل السلام والعديد من الجوائز على مستوى الدولي والأقاليم.

■ ما هو الدافع المعنوي الذي تقدمه الجوائز لا سيما الدولية منها.. وما أثرها على أداء الفنان التشكيلي؟
لا ينكر أحد اليوم أو فيما مضى، أثر الجوائز بجانبيها المادي والمعنوي، من يجيل ذاكرته أو يمد بصره وفكره في القرآن الكريم فإنه سيجد أمر الجائزة مقرر في آياته من رب العالمين.
الجوائز مجرد مؤشرات على مستوى الفنان وأهليته لنيل التكريم من الجهات المنظمة لهذه الجوائز، وهذا بالضرورة لا يعني التصنيف القاطع لمستوى الفنان حيث إن التقييم الأدبي الإبداعي والفني يخضع لذائقة المحكمين وانتماءاتهم الفنية والمدارس الفنية التى ينتمي إليها المحكم، وفُسر أن درجة دقة النتائج لا يمكن أن ترقى إلى دقة التحكيم في المجالات العلمية التي تستند إلى معايير أكثر صرامة وحيادية وبعيدة عن تدخل الذوق الخاص للمحكمين ولا أظن أن ثمة طريقة أكثر إنصافا من الطرق المأخوذ بها اليوم في مختلف المؤسسات الفنية، حيث إن وجود المنطقة الرمادية يرتبط ارتباطا عضويا بالعمل الإبداعي، وبالتالي لا يستطيع المحكمون الخروج من هذا المجال الرمادي إلى معايير الأبيض والأسود كما في المجالات العلمية.

■ ماهي طموحاتك المستقبلية؟
الطموح لا حدود له أبدا والطموح من أهم الأشياء التي يجب على الإنسان أن يضعها في جدول حياته لكي يحقق ما يهدفه له، ومنها إقامة أستديو فني خاص استقبل فيه المتذوقين الفن والفنانين وأقيم خلاله ورش العمل الفنية.

■ هل هناك استعدادات قادمة لمعرض شخصي سيرى النور قريبا؟
نعم أنا في مرحلة الإعداد والتنفيذ لإنتاج أعمال فنية جديدة تليق بالمعرض الشخصي الثاني إن شاء الله خلال العام القادم يختلف تماما عن المألوف وفكرة لها سمة ابداعية جديدة.