نوافذ: هناك «شيطان» في التفاصيل

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

ليس هناك من إنسان على وجه هذه البسيطة لا تشغله التفاصيل، ولا يكون «حشريا» ولا يدس أنفه في كل صغيرة وكبيرة، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، ولو بنسب متفاوتة، هذه فطرة، لا يمكن تجاوزها، وهذه الحشرية -في حقيقتها- هي ترياق لكل المتسلقين، ولكل المنافقين، ولكل الأفاكين، طبعا بدرجات مختلفة، ومن هنا تعقد الجلسات السرية، ومن هنا تتواصل الهمسات الجانبية، ومن هنا يصبح العدو صديقا في ظرف، ويصبح البعيد قريبا في لحظة ما، ومن هنا -أيضا- تتغير الحسابات، ويعاد ترتيب بنود الاتفاقيات، وقد تحدث بعض التنازلات.
إنها التفاصيل بكل حقائقها الصادمة لمجمل الحسابات، والفجائية لكثير من التوقعات، وبالتالي من يعرف التفاصيل يمسك بزمام المبادرة، ومن يعرف التفاصيل يكون موقفه قويا، وتتلبسه حالة من الاعتزاز، ومن القوة، ومن التسلط أحيانا، ومن يملك التفاصيل، أكثر ما يكون، من أولئك الذين يوصفون بـ «لي الذراع» مع أنه لا يستخدم أسلوب «لي الذراع» إلا من يتميزون بضعف الشخصية، ويجدون -حينها- لحظة امتلاكهم للتفاصيل الفرصة الذهبية للوصول لكل ما يريدونه قبل فوات الأوان.
الإشكالية الكبرى هنا ليست في التفاصيل، فكل الأحداث والوقائع والمصائب، لا بد لها أن تكون لها تفاصيل، ولا بد لهذه التفاصيل أن تكون مشاعة في يوم من الأيام، ولكن المشكلة أن هناك (شيطانًا) يجد في هذه التفاصيل السبيل للشروع في تأجيج المواقف، وفي فضح الأغراض، إن اضطر إلى ذلك، وفي «نشر الغسيل» كما هو المثل، وفي عرقلة الجهود -أحيانا- وفي تقويض الأعمال الصالحة، وفي إرباك النوايا الصادقة، وكما يقال في المثل: «كل نعمة وعليها حاسد»؛ فالحاسد هنا هو من يتوغل في هذه التفاصيل، ويوظفها لمصالحة الخاصة، حيث يرى فيها فرصته الأخيرة.
كثيرة هي المآسي، سواء على مستوى الفرد، أو مستوى المجتمع، أو المستويات الأبعد من ذلك، تعيش محنة هذا العنوان: «هناك (شيطان) في التفاصيل»، وكما هو معروف بالضرورة أن شياطين الإنس والجن كثيرة، وكل شيطان له مآربه ومخططاته، وطموحاته، ولا ينسل من هذه الـ «شيطنة» إلا من هو على خلق رفيع، وأدب كريم، وقناعة يقينية لا تنفذ منها إبرة الخيط الرفيعة، وهذا مستوى سام ليس يسيرا الوصول إليه إلا بفطرة متجذرة آمنت بالقناعة، وبالرضا، وبالحفاظ على اللحم بكل عناوينها العريضة، التي ترى في الامتداد الإنساني بقاء الحياة ورونقها وسموها، ولا ترى في المادة التي تسيل اللعاب لفترة قصيرة الغاية التي يجب أن يضحي فيها الإنسان بقناعاته، وبأدبه، وبسمو خلقه.
«كل نعمة وعليها حاسد» كما هو الحال «هناك (شيطان) في التفاصيل» لا يخرج المفهومان عن بعضها بعض، وإن اختلفت الألفاظ، وما المآسي التي تعيشها الإنسانية في كل عصر إلا انعكاس لهذا الواقع المزري في حياة البشرية، حيث تنتهك الحقوق، صغيرها وكبيرها، وتغتال الأنفس، وتباع الأعراض، وتحرم الحيوات من الأمن والاستقرار، وتفشل الخطط والبرامج الذاهبة إلى خير الإنسانية؛ كل ذلك لأن هناك «هناك (شيطان) في التفاصيل»، والغريب أن من يمارس هذا كله هو الإنسان، ومن يكتوي بنار هذا كله هو الإنسان، فأي مخلوق على هذه البسيطة يحرق نفسه ويطفئها في آن واحد غير هذا المخلوق العجائبي، وما يُطفَأ في نهاية المطاف لا تكون نتيجته إلا رمادا تذروه الرياح، وتظل الخسارة دائمة، قبل نيف من الزمان كانت هذه التفاصيل محكومة بكثير من المثل الإنسانية، أغلبها، ولذلك استطاعت هذه المثل أن تحافظ على كثير من مجموعات التفاصيل، وحافظ الناس على بيوتهم، وممتلكاتهم، وأعراضهم، وخصوصياتهم، وعندما عاندت الإنسانية نفسها، وبما أتيح لها اليوم من وسائل، وجدت نفسها مزهوة بالحديث عن التفاصيل «المملة» كما يقال، وعليها أن تتحمل تداعيات ذلك ولا تتأوه، ولا تتأزم، حيث «جنت على نفسها براقش».