خطط طموحة تواجه تحديات كثيرة وعسيرة

د. صلاح أبونار –

في 30 مايو 2019 أعلنت منظمة الوحدة الإفريقية انطلاق «المرحلة التشغيلية» في مسيرة «الاتفاق المؤسس لمنطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية»، على أن تبدأ المرحلة التنفيذية في الأول من يوليو 2020.
كان عدد الدول المصدقة على الاتفاقية قد وصل إلى 24 دولة، وبهذا تحقق شرط تصديق 22 دولة لبدء المرحلة التشغيلية. وهكذا تكون إفريقيا قد أطلقت مسيرة تكوين منطقة تجارية عملاقة، تضم 55 دولة يعيش فيها 1.2 بليون من البشر، يصل إجمالي ناتجها المحلي إلى 2.5 تريليون دولار أمريكي.

بدأت مسيرة هذا المشروع في توقيت مبكر في سياق أطر ومخططات مختلفة، لكنها تسارعت من مطلع العقد الثاني من القرن الجديد. في عام 1963 أطلقت منظمة الوحدة الإفريقية مبادرات لتأسيس عدة منظمات للتعاون الاقتصادي في نطاقات إقليمية معينة. وفي عام 1980 تبنت المنظمة «خطة لاجوس للتنمية الاقتصادية لإفريقيا 1980 – 2000»، التي احتوت على خطة للتعاون الإقليمي تسعى لتأسيس سوق إفريقية مشتركة. ولكن عمليات تنفيذ هذه المبادرات فقدت تدريجيا قوتها الدافعة. وفي عام 1991عقدت المنظمة «معاهدة أبوجا»، التي نصت على تأسيس الجماعة الاقتصادية الإفريقية، وفي إطارها منطقة تجارية قارية حرة.
في عام 2002 تكون الاتحاد الإفريقي بديلا لمنظمة الوحدة الإفريقية. نصت المادة الثالثة من ميثاق الاتحاد على العمل من أجل تسريع الاندماج الاقتصادي والسياسي للقارة، وفي سياق تحقيق هذا الهدف دفع الاتحاد بعدة برامج اقتصادية اندماجية: برنامج التنمية الزراعية الشاملة لإفريقيا 2003، وبرنامج التنمية الصناعية المتصاعدة لإفريقيا 2008، وبرنامج تنمية البنى التحتية لإفريقيا 2010، وبرنامج دفع التجارة بين الدول الإفريقية 2011.
وجاءت القمة الإفريقية 2012 لتطلق مسيرة منطقة التجارة الحرة القارية. حددت المبادرة لنفسها عدة أهداف أساسية. تأسيس سوق قاري واحد وحر للسلع والخدمات ورأس المال والعمل، وتوسيع التجارة الإفريقية على امتداد القارة وفي إطار التجمعات الاقتصادية الإقليمية، ودعم التنافسية والشفافية والتحولات الاقتصادية.
وفي هذا السياق قررت الاعتراف بثماني تجمعات اقتصادية إقليمية فقط دون بقية التجمعات الأخرى. وهي اتحاد المغرب العربي، والسوق المشتركة لإفريقيا الشرقية والجنوبية، وجماعة دول الساحل الصحراوي، وجماعة إفريقيا الشرقية، والجماعة الاقتصادية لدول إفريقيا الوسطى، والهيئة غير الحكومية للتنمية، وجماعة تنمية إفريقيا الجنوبية. وفي اعترافها بها كانت تقر بها كمرتكزات لعمل اقتصادي اندماجي عبر منهج الانطلاق من القاعدة إلى القمة، بالتوازي مع منهج الانطلاق من القمة إلى القاعدة.
تصاعدت وتيرة المفاوضات لتأسيس المنطقة التجارية الحرة والوصول إلى وثيقتها النهائية فيما بين عامي 2015 – 2017، وفي مارس 2018 شهدت قمة كيجالي برواندا توقيع الاتفاقية المؤسسة التي وقع عليها 44 دولة، وفي يونيو 2018 وقعت خمس دول أخرى، وفي يوليو 2018 وصل العدد إلى 49 دولة. ولكن الاتفاقية كانت حسب نصها في حاجة إلى تصديق 22 دولة لكي يبدأ سريان مفعولها على المصدقين. واكتمل العدد المطلوب في 29 أبريل 2019، ليبدأ سريان الاتفاقية في 30 مايو 2019. وحتى الآن ينظم عمل المنطقة أحكام الاتفاقية الأساسية، علاوة على خمسة بروتوكولات ذات طبيعة تنفيذية، مُلحق ببعضها ملاحق مخصصه لجوانب بعينها من عمل الاتفاقية. بروتوكول أول حول التجارة في السلع، ملحق به ملاحق تتناول البرامج الزمنية للتخفيضات الجمركية، والقواعد المنظمة لأحكام الجهات المنتجة الأصلية، والتعاون الجمركي والدعم الإداري المتبادل، والقيود غير الجمركية، والقيود غير التقنية على التجارة، والإجراءات الصحية، والنقل وبروتوكول ثان حول التجارة في الخدمات، وثالث حول القواعد والإجراءات الخاصة بالفصل في المنازعات. وملحق بالبروتوكول الثالث ثلاثة ملاحق، تتناول الإجراءات التنفيذية للجنة المختصة بتسوية المنازعات، وعمل مراجعة الخبراء، والقواعد المنظمة والحاكمة لسلوك المحكمين وأعضاء لجنة المنازعات، وبروتوكول رابع حول سياسة المنافسة، وخامس وأخير حول حماية الملكية. على أن نلاحظ أن البنية التشريعية للمنطقة الحرة لازالت في لحظة الميلاد، وهو ما يعني أن ثمة بروتوكولات وملاحق أخرى في الطريق.
تواجه اتفاقية المنطقة القارية الحرة بنية تجارة بين الدول الإفريقية، تبدو عند النظرة الأولى والسريعة ضعيفة لا تبشر بإمكانيات تبادلية عالية، ولكن عندما نضعها في منظور مقارن سوف تتغير الصورة ومعها الإمكانيات المستقبلية إلى حد كبير. في عام 2016 كانت نسبة التجارة الإفريقية البينية 16% من إجمالي التبادلات الخارجية للدول الإفريقية. تبدو هذه النسبة – أولا – في المعدل الطبيعي عندما نقارنها بالمناطق النامية. فهي في المنطقة العربية 14%، وفي أمريكا اللاتينية 20%. لكن النسبة ستبدو منخفضة بشدة عندما نقارنها بالتجمعات الجغرافية للدول المتقدمة، فهي في أوروبا 68% وفي آسيا 58%. وستبدو هذه النسبة – ثانيا – في حالة صعود متواصل، فلقد كانت في عام 1990 لا تتعدى 5%، وفي عام 2000 وصلت إلى 10%، ثم تباطأ معدل النمو وسجل 16% عام 2016.الأمر الذي يعني أنها تضاعفت في عقدين ونصف من الزمان. هذا النمو في التبادلات التجارية الإفريقية البينية، يشكل جزء من تيار اقتصادي إفريقي صاعد في الفترة ذاتها. فعلى امتداد العقدين الأخيرين تضاعف إجمالي الناتج الوطني الإفريقي أربعة أضعاف، وفيما بين 2007 و2015 تضاعف حجم صناعات إفريقيا الخفيفة ثلاث مرات، ووصلت قيمة إنتاجها إلي 260 بليون دولار. وستبدو – ثالثا – ذات تركيب أكثر ايجابية بالمقارنة بتجاره إفريقيا مع العالم الخارجي، ونعني بذلك أنها أكثر تنوعا وأكثر اتجاها صوب السلع المصنعة. تخبرنا إحدى الدراسات أنه فيما بين 2007 و2017، وصلت نسب السلع المصنعة فيها إلى 40%، مقابل 44% للمعادن و16% للمنتجات الزراعية، بينما كانت نسبة السلع المصنعة في التجارة مع العالم الخارجي 16% في مقابل 75% للمواد الأولية.
والحاصل أن تجارة إفريقيا البينية في معدلاتها الطبيعية من منظور المقارنة بالمناطق المماثلة، وفي سياق تاريخي صاعد من منظور التطور الإفريقي، وذات تكوين سلعي إيجابي من منظور المقارنة بالتجارة مع العالم الخارجي. وكل ذلك يعني أن مشروع المنطقة التجارية الإفريقية الحرة يمتلك إمكانيات نجاح أكيدة وعالية. ويقدر الخبراء، أنه خلال عشر سنوات من بدء سريان الاتفاقية يمكن لهذه التجارة أن ترتفع إلى 25% غير أن المنطقة سوف تواجه تحديات لا يستهان بها، لكنها في التحليل الأخير قابلة للتغلب عليها. أول هذه التحديات وربما أخطرها تحدي قواعد دولة المنشأ. والمقصود بها الإجراءات والمعايير التي يجب استخدامها، من أجل منح منتج معين صفة كونه قد أنتج في بلد يتمتع بالإجراءات التفضيلية الجمركية التي تقرها المنطقة الحرة. هذه القواعد ينبغي أن تكون شفافة وحاسمة وبسيطة، وأن تأخذ في اعتبارها تفاوت القدرات الإنتاجية والاختلالات الهيكلية بين الدول الأعضاء، وأن تقف خلفها سلطات ومؤسسات كفئة ونافذة. وثاني هذه التحديات تحدي الفرص مقابل المخاطر. سوف تمنح الاتفاقية فرصا كبيرة لقطاعات واسعة ومتنوعة من العاملين في المجال الاقتصادي. أسواق أوسع ستوفر فرصا للمنتجين الصناعيين والزراعيين، ومشروعات جديدة ستوفر فرص للعمل ومجالات لإبداع الشباب، وأسواق مفتوحة ستتيح تدفق رؤوس الأموال والأيدي العاملة إلى المناطق ذات الفرص الأفضل. ولكن نفس العملية ستشكل تهديدا لمصالح واستقرار فئات اجتماعية أخرى والمؤسسات العاملة فيها. وذكر بعض الخبراء على سبيل المثال أن سر ازدواجية موقف نيجيريا من الاتفاقية، والتي تعتبر أكبر اقتصاد في إفريقيا، هو المعارضة القوية للمزارعين النيجيريين وفئات من الصناعيين النيجيريين، الذين يرون أن المنطقة الحرة ستغرق نيجيريا بتدفقات سلعية مضرة ومدمرة بمنتجاتهم. وهذا يعني حتمية وجود خاسرين، الأمر الذي يترتب عليه ضرورة تقليل حجم هذه الخسارة عبر سلسلة من الإجراءات ومعايير التنفيذ المرنة والقابلة للتغيير، وعبر التحلي بروح الواقعية والتحرك بإيقاع تطبيقي غير صادم وقادر على استيعاب وتعويض خسائر الخاسرين. وثالث هذه التحديات يتصل بمستوى تطور البني التحتية، وقدرتها على دعم حركة التجارة على امتداد القارة بالمعدلات المستهدفة. لاحظ أكثر من باحث أن مستوى تطور هذه البنى ضعيف ولا يمكنها مساندة طموحات الاتفاقية، لكنهم أيضا رصدوا وجود وعي إفريقي بهذه المشكلة ومعه جهود تسعى للتغلب عليها، ويشيرون في هذا الصدد إلى برنامج «الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا»، الذي يتبنى 20 مشروعا طموحا تسير في طريق التنفيذ، منها طريق الجزائر لاجوس السريع وممر لاجوس ابيدجان للنقل، وخط نقل الطاقة بين زامبيا وتنزانيا وكينيا، والجسر الرابط بين برازيفيل وكينشاسا. ورابع هذه التحديات إمكانية عرقلة سلطات بعض الدول لحركة تحرير التجارة، من واقع أن هذا التحرير سيحرم ميزانية الدولة من الكثير من العوائد الضريبية. وخامس هذه التحديات تحدي تضارب المعايير العامة الحاكمة للتعاملات التجارية التي سوف تسعى الاتفاقية لإرسائها، مع المعايير الحاكمة لذات التعاملات داخل التجمعات الاقتصادية الإقليمية الثمانية التي اعترفت بها الاتفاقية، وما سوف ينتج عنه من إعاقة لحركة الاتفاقية وفعاليتها. وهنا ستواجه الاتفاقية معضلة عسيرة، فهي تتعامل مع تلك التجمعات كقاعدة تحتية لانطلاقها، لكنها في نفس الوقت ستواجه عمليا في ذات التجمعات مصدرا معوقا لانطلاقها. وفي هذا الصدد رصد بحث في عام 2011، أن 25% من صناع السياسة القومية يؤمنون بوجود هذا التضارب وتأثيره السلبي، وأن 23 % منهم يرون أن وجود اتفاقيات التعاون الإقليمي سببا في بطء تنفيذ برامج الاندماج الإفريقي العام.