منطقة التجارة الحرة الإفريقية بين التحديات ومتطلبات النجاح

د. أحمد سيد أحمد –

دشنت الدول الإفريقية اتفاقية منطقة التجارة الحرة الكبرى الإفريقية وذلك خلال القمة الإفريقية الاستثنائية التي انعقدت في نيامي عاصمة النيجر، لتدخل القارة السمراء مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي وسوف تكون لها تداعياتها ونتائجها على الدول الإفريقية بشكل عام وعلى الشراكات مع الدول الأخرى خاصة العربية بشكل خاص.

منطقة التجارة الحرة الإفريقية تكتسب أهميتها من عدة زوايا:
أولها: هو الحجم الضخم لتلك المنطقة حيث تشمل القارة الإفريقية بأكملها بما تحتويه من أكثر من مليار ومائتي مليون نسمة، تعد خمس سكان العالم، وسوقا اقتصادية كبيرة ويبلغ حجم ناتجها المحلي أكثر من تريليون دولار، فقد صادقت برلمانات 24 دولة من بين 52 دولة إفريقية على الاتفاقية ودخلت حيز التنفيذ، حيث تقوم على إزالة وتخفيف الحواجز والرسوم الجمركية بين البلدان الإفريقية وذلك لانسياب السلع والخدمات ورأس المال والأفراد بما يساهم في تدعيم التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الدول والأسواق الإفريقية.
ثانيها: تساهم هذه المنطقة في تحقيق التنمية الإفريقية المستدامة والشاملة في القارة الإفريقية وفي تنفيذ أجندة الاتحاد الإفريقي التنموية وتنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية البشرية والمستدامة 2063، كما تساعد على توظيف الموارد الاقتصادية والبشرية الضخمة للقارة الإفريقية من سلع ومواد خام في صالح النهوض بالقارة الإفريقية ونقلها من مستوى الصراعات والحروب الأهلية والأزمات الداخلية والعنف واستنزاف الموارد في الحروب وتحديات مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية، إلى منطقة مزدهرة اقتصاديا تتبوأ مكانتها على الخريطة الاقتصادية العالمية وأن تتحول القارة الإفريقية من مجرد مصدر لإنتاج المواد الخام وسوق لتصريف منتجات وسلع الدول المتقدمة، إلى التنمية الحقيقية والتمكين الاقتصادي وأن تصبح شريكا اقتصاديا عالميا مع القوى العالمية والتكتلات الاقتصادية الكبرى.
وبالتالي تدعم منطقة التجارة الحرة الإفريقية المدخل التنموي في التعامل مع مشكلات القارة خاصة الإرهاب والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا من خلال المواجهة التنموية ومعالجة بيئة الفقر وتجفيف منابع الإرهاب لمنع انضمام الشباب إلى التنظيمات الإرهابية، كذلك مواجهة ظاهرة اللجوء والهجرة غير الشرعية من المنبع من خلال تحقيق التنمية وتوطين الاستثمارات التي تجذب الشباب الإفريقي الذي يغامر بحياته ومستقبله في سبيل مستقبل مجهول يواجه من خلاله ليس فقط أخطار الموت عبر رحلة الهروب والغرق في البحار، وإنما أيضا يعاني أوضاعا قاسية حتى بعد وصوله إلى الدول الأوروبية في ظل تصاعد اليمين المتطرف في الغرب والذي يتخذ سياسات عدائية تجاه المهاجرين الأفارقة الذين يمثلون العدد الأكبر من المهاجرين واللاجئين في العالم، ولذلك فإن المواجهة التنموية للإرهاب في إفريقيا تتزامن وتسير مع مسار المواجهة العسكرية والأمنية والفكرية، مع تسوية الصراعات في القارة ومعالجة أسباب الهجرة غير الشرعية من الجذور والتي تكلف إفريقيا خسارة كبيرة مع تصاعد هجرة العقول والشباب وحرمان الدول الإفريقية من هذه الموارد البشرية الهائلة.
ثالثها: تضع منطقة التجارة الحرة العمل الإفريقي الجماعي والمؤسسي على الطريق الصحيح، أي ترجمة الرغبات والأمنيات الإفريقية في تفعيل التجارة والتعاون الاقتصادي بين الدول الإفريقية إلى واقع على الأرض مع توافر الإرادة السياسية الحقيقية من جانب القادة الإفريقية في ترسيخ الوحدة الاقتصادية مع الوحدة السياسية عبر تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية. كما أن هذه المنطقة تساهم في جذب الاستثمارات العالمية في ظل التنافس الدولي على القارة الإفريقية الآن حيث تتسابق القوى الاقتصادية العالمية مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والهند والصين وروسيا وغيرها على بناء شراكات اقتصادية مع الدول الإفريقية ومن شأن تلك المنطقة أن تساهم في بناء علاقات اقتصادية تقوم على الشراكة الحقيقية بين القارة الإفريقية والقوى الاقتصادية العالمية.
رابعها: إن رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي تمثل مدخلا مهما لتحقيق التكامل الاقتصادي بين منطقة التجارة الحرة الإفريقية والدول العربية، فمن ناحية هناك تسع دول عربية تقع في القارة الإفريقية منضوية تحت مظلة منطقة التجارة الحرة وهذا بدوره يساعد في تدعيم التعاون الاقتصادي بين الدول العربية والدول الإفريقية، كما ان هذه الدول العربية التسعة تمثل جسرا أيضا بين بقية العالم العربي والدول الإفريقية ومدخلا للسوق الإفريقية الواسعة في ظل التقارب الجغرافي والتشابه في التجارب التنموية والأوضاع الاقتصادية للدول العربية والإفريقية، خاصة في ظل التعاون العربي الإفريقي عبر القمة الإفريقية العربية وعبر العلاقات الاقتصادية القوية التي تربط الدول العربية بالكثير من الدول الإفريقية.
في المقابل فإن نجاح منطقة التجارة الحرة الإفريقية يتطلب العديد من الأمور والتغلب على العديد من التحديات مثل:
أولا: بناء شبكة طرق حديث وبنية أساسية قوية وخطوط برية وسكك حديدية وكذلك تطوير النقل النهري والبحري لتسهيل انتقال التجارة والسلع والخدمات بين الدول الإفريقية وهذا يتطلب استثمارات مالية ضخمة للإنفاق على البنية الأساسية التي تربط بين الدول الإفريقية.
ثانيا: أهمية السيطرة على الحدود ومنع تهديد التجارة الحرة بين الدول الإفريقية خاصة في ظل ضعف السيطرة على الحدود بين بعض الدول الإفريقية التي تشهد صراعات وأزمات وحروبا وانتشار المليشيات والتنظيمات الإرهابية والتي تشكل تهديدا لانسياب التجارة بحرية بين الدول الإفريقية، وهذا يتطلب بدوره تأمين طرق التجارة، كما أنه يتطلب تدعيم الدولة الإفريقية ومؤسساتها للسيطرة على الحدود، كما أن استمرار الصراعات والحروب والأزمات في بعض الدول الإفريقية يشكل عائقا أمام تنفيذ منطقة التجارة الحرة بشكل كامل بين الدول الإفريقية لأنه لا يمكن تحقيق التعاون الاقتصادي الطبيعي عبر دول تشهد صراعات وحروبا مثل الصومال وإفريقيا الوسطى والكونغو وجنوب السودان وليبيا وغيرها. ثالثا: هناك تحديات اقتصادية مثل تشابه الاقتصادات الإفريقية التي تنتج سلعا وخدمات متشابهة تقوم على التنافس وليس التكامل، وهذا يتطلب انتهاج منهج التخصص والميزة النسبية لكل دولة إفريقية حتى يساعد في تحقيق التكامل والتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، مثلا ان تتخصص كل دولة في سلع وخدمات معينة وتصدرها للدول الأخرى، وهناك أيضا تحد يتعلق بالتفاوتات الكبيرة بين الاقتصاديات الإفريقية وفي معدلات النمو الاقتصادي، فهناك دول إفريقية قوية ومتقدمة اقتصاديا مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر والسنغال وكينيا وغيرها وهناك في المقابل دول أقل في معدلات النمو والتقدم الاقتصادي، وهذا التفاوت يحتاج إلى معالجة حتى لا يصبح عائقا أمام انسياب التجارة وجعلها تسير في اتجاهات واحدة وليس بشكل تبادلي، أي تسير السلع فقط من الاقتصاديات الضخمة والمتقدمة إلى أسواق الدول الأقل نمو ولا تستفيد الأخيرة من منطقة التجارة الحرة، والتي قد يدفعها ذلك إلى وضع حواجز جمركية وفرض رسوم تجارية تحت مبرر حماية صناعتها الوطنية وهو ما قد يفرغ اتفاقية منطقة التجارة الحرة الإفريقية من مضمونها. كذلك هناك تحديات اقتصادية أخرى مثل ضرورة التنسيق بين منطقة التجارة الحرة الإفريقية التي تشمل كل القارة الإفريقية وبين التجمعات والتكتلات الاقتصادية الإفريقية الفرعية مثل الايكواس والكوميسا وغيرها لمنع التضارب والتناقض بين هذه التجمعات وبين المنطقة الحرة الجديدة، كذلك التنسيق بين المناطق الإفريقية المختلفة.
ولذلك قد يكون من الأفضل أن تبدأ منطقة التجارة الحرة الإفريقية ببعض الدول ثم تتوسع مستقبلا بعد تهيئة الظروف لضمان نجاحها وضرورة التغلب على العقبات والتحديات المختلفة لكي تصبح تلك المنطقة قاطرة التنمية في إفريقيا وفي تنفيذ أجندة التعاون الاقتصادي والارتقاء بمستوى معيشة المواطن الإفريقي وفي تحقيق أحلامه في الوحدة الاقتصادية على غرار التكتلات الاقتصادية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي وغيره من التجمعات الاقتصادية العالمية.