إفريقيا والعرب..آفاق التعاون الاقتصادي

إميل أمين –

مساء الأحد السابع من يوليو الجاري، أعلن الاتحاد الإفريقي، أنه جرى إطلاق المرحلة التشغيلية لمنطقة التجارة الحرة الإفريقية، وذلك خلال القمة الاستثنائية التي عقدت في عاصمة النيجر نيامي.
عدة أسئلة تواجه القارئ غير المتخصص عن تلك الاتفاقية، وعن منطقة التجارة الحرة، وعن مآلاتها وتأثيراتها على القارة الإفريقية من جهة، والعلاقة مع بقية العالم العربي القريب جغرافيا، والشريك ديموجرافيا من القارة السمراء.

على أنه قبل الإجابة عن الأسئلة المدخلية المتقدمة ربما يتعين علينا إلقاء نظرة ولو عابرة على القارة قليلة الحظ حتى الساعة.
بداية نستطيع القول أن إفريقيا بمواردها الكبيرة والواسعة لا تزال قارة بكر، وأنها قابلة وراغبة لاكتشاف خيراتها وكنوزها الظاهرة والخفية، وأنه إذا كانت قد عانت طويلا من الاستعمار العسكري، إلا أنها لا تزال تئن تحت عبء أشكال أخرى من الاستغلال الاقتصادي والصراع بين الأقطاب القائمة والقادمة.
خذ على سبيل المثال الصراع الجاري على الأراضي الإفريقية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وكلاهما لا يهمه شعب القارة الإفريقية، وليذهب ما شاء له ان يذهب، وجل القضية وضع الأيادي على الموارد الطبيعية من جهة، وعسكرة المشهد هناك من ناحية أخرى.
الصين تستغل الفوائض المالية لديها للدخول بعمق في القارة الإفريقية، والولايات المتحدة تعمل على ترهيب الأفارقة بأوراق الإرهاب الذي بدأ يستشري في الداخل الأفريقي بصورة غير مسبوقة في الأعوام الأخيرة، والتحذيرات ماضية على قدم وساق من انتشار الدواعش هناك، وتسربهم عبر ليبيا المهترئة بنوع خاص إلى دول في وسط إفريقيا مثل مالي وتشاد وكينيا، عطفا على وجود مجموعات من الجماعات الإرهابية الإفريقية الأصل مثل جماعة بوكو حرام، وكلها تجعل من فرص التنمية والازدهار الاقتصادي شبه منعدمة في القارة.
تعتبر المنطقة التي نحن بصددها منطقة للتجارة الحرة، تشارك فيها نحو خمسين دولة يسكنها مليار وثلث المليار من البشر، وتخلق كتلة اقتصادية قوامها نحو ثلاثة ونصف تريليون دولار، وتفتح الباب أمام عهد جديد من التنمية في إفريقيا… ما الذي تعنيه تلك الأرقام؟ باختصار غير مخل تعني أننا أمام كتلة بشرية تعادل ثلاثة أضعاف الكتلة الأوروبية، وبالنظر إلى الأيدي العاملة البشرية على أنها رصيد مضاف، وليس قيمة مختصمة في أسواق العالم، يمكننا القطع بأن الفرصة هائلة سيما وأن هناك مجالات واسعة للتعاون المشترك والخلاق، وعبر فرص تجارية وصناعية، زراعية وملاحية، في قارة تكاد تكون المساحات الأكبر فيها غير مستغلة بأي نوع من الأنواع، والفرص فيها مفتوحة على مصراعيها، فقط أنها تحتاج الإرادة الجيدة، ومن قبلها الإدارة الواعية والمنضبطة.
هل هناك من يتفاءل بإطلاق هذه الاتفاقية؟
لابد ان نشير إلى أن منظمة التجارة العالمية قد أشارت بالفعل إلى أن مثل تلك الاتفاقية ستساهم في إطلاق إمكانات إفريقيا الاقتصادية بعد تعثر طال أمده من خلال دعم التجارة البينية، وتقوية سلاسل الإمدادات، ونشر الخبرات.
أما الأرقام التي لدى منظمة التجارة العالمية فتشير إلى الأوضاع الاقتصادية الحالية في القارة الإفريقية ومدى ضعفها وهزالها، مقارنة بتجمعات اقتصادية أخرى حول العالم.
فقد شكلت التجارة البينية في إفريقيا 17% فقط من الصادرات في 2017، مقابل 59% في آسيا، و69% في أوروبا، ولهذا يبدو من الطبيعي للغاية ان تتخلف إفريقيا عن طفرات اقتصادية حققتها تكتلات تجارية أخرى في العقود الأخيرة.
وبحسب موقع الاتحاد الإفريقي، يأتي إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية عقب دخول المنطقة التجارية حيز التنفيذ في 30 مايو الماضي، بعد إيداع الحد الأدنى المطلوب من تصديق 22 دولة من الدول أعضاء الاتحاد الإفريقي، ومنذ ذلك الحين تم إيداع ثلاثة صكوك تصديقية أخرى، وبذلك يصل العدد الإجمالي للبلدان التي صادقت على اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية إلى 25 دولة. ما الذي سوف يحدث بعد إطلاق المرحلة التشغيلية للاتفاقية اعتبارا من يوليو الجاري؟
الشاهد ان التجار ورجال الأعمال عبر القارة الواسعة الأرجاء سوف يتمكنون من الاستفادة من ترتيبات التجارة التفضيلية التي توفرها منطقة التجارة الحرة الإفريقية، حيث ستجري المعاملات التجارية بين الدول الأعضاء التي أودعت صكوك التصديق، وتلك التي تتوافق مع أحكام قواعد المنشأ التي تحكم التجارة في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
والثابت أن هناك إيمانا كبيرا من الدول الأعضاء بجدوى هذه الاتفاقية والتي ستنقل الحركة البينية في القارة نقلة غير مسبوقة، فعلى سبيل المثال تعهد الأعضاء بإلغاء الرسوم الجمركية على معظم المنتجات، ما يزيد حجم التجارة في المنطقة بما يتراوح بين 15 و25% على المدى المتوسط، لكن ذلك سيتضاعف إذا جرت معالجة تلك التحديات الأخرى، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
كان من العلامات اللافتة للنظر في القمة الإفريقية الاستثنائية الأخيرة، إقدام نيجيريا والتي تعد أكبر اقتصاد في إفريقيا اليوم، على التوقيع على الاتفاقية خلال القمة الأمر الذي ينعكس إيجابا على الأوضاع المالية لهذا الكيان الوليد، سيما وإن نيجيريا من كبريات الدول المنتجة والمصدرة للنفط، والذي تتكالب عليه الأمم الأجنبية، الشرقية والغربية على حد سواء.
ومن تلك العلامات أيضا ما قاله الرئيس الغاني «اكوفو ادو» من ان بلاده مستعدة لتوفير تمويل بقيمة 10 ملايين دولار للاتحاد الإفريقي لدعم عمل سكرتارية منطقة التجارة الحرة القارية التي ستستضيفها غانا، مبديا سعادته لاختيار بلاده كمقر لسكرتارية تلك المنطقة التي أطلقها الزعماء الأفارقة.
ما هي الخطة التي ستعتمدها الاتفاقية الجديدة؟
الشاهد أنها حددت سبعة أولويات تتمثل فيما يلي:
** بلورة سياسة تجارية واحدة وواسعة يمكن من خلالها وضع خطوط طول وعرض للقواعد الرئيسة للتعامل التجاري بين الدول الموقعة على الاتفاقية.
** تسهيل الصعوبات التي تقابل التجارة البينية بين دول الاتفاقية، سواء كانت تلك متعلقة بحركة النقل أو التحويلات البنكية والمعاملات المالية.
** بلورة رؤية جماعية للطاقة الإنتاجية للقارة ودولها، وهذه مسألة شديدة الأهمية، وبذات الوقت شديدة التعقيد، فالقارة السمراء كنز لا يفنى ولا يضمحل من الخيرات على اختلاف أنواعها وألوانها، سواء النفط أو بقية المعادن، ناهيك عن الطاقات الإنتاجية الحيوانية، فمزارعها تعادل وربما تفوق مزارع أمريكا اللاتينية، أما عن قواها الزراعية فحدث عنها ولا حرج، ويكفي الإشارة إلى أن بعض دولها تهطل عليها المياه طوال العام، ما يعني أن أرضها صالحة للزراعة في كل الأوقات.
** الاهتمام بإنشاء البنية التحتية ذات الصلة بالتجارة، والمعروف أنه من غير بنية تحتية قوية وقادرة، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال التواصل ونقل البضائع، وانتقال رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى، ومن قطاع إلى آخر، وفي حال توافر تلك البنى، يكون الأساس القوي والأولي متاحا لانطلاقة وثابة إلى عالم الاقتصادات الخلاقة. ** هناك قضية تمويل التجارة، وهذه مسألة غاية في الأهمية بالنسبة لمستقبل النمو الاقتصادي لقارة ظلت لعقود طوال تعاني من شروط المؤسسات الدولية المقرضة سواء كان البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، وهذه وتلك دائما ما تفرض شروطا مجحفة من الناحية المالية والاقتصادية، كما أنها تكبل الأفارقة بقيود سياسية، فمن يدفع للزمار يحدد اللحن كما يقال، وعليه فإن قدرة الأفارقة على تمويل تجارتهم البينية بأنفسهم، لهو أمر خلاق سيرفع عن كاهلهم عبء الديون والشروط الخارجية التي عادة ما تقصم الظهور.
** خلق مجال عام للمعلومات التجارية بين الدول الأعضاء، وفي واقع الحال فإن هذه الجزئية يمكنها أن تكون فتحا مبينا بين الدول المشاركة، فالمعلومات هي أهم سلعة في العقود القادمة، وهي التي ستحرك كافة مناحي الحياة، وتوافرها بنظام وترتيب، بالإضافة إلى الدقة والمنهجية، أمر يضمن طفرات نجاح ضمن سياق ما بات يعرف باقتصاد الابتكار، ذاك الذي يختلف كثيرا عن الاقتصادات التقليدية المعروفة.
أحد الأسئلة فائقة الأهمية الواجب طرحها: هل لهذه الاتفاقية مردودات إيجابية على العالم العربي، هل ستوثق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الأفارقة والعرب، أم أنها على العكس من ذلك، بمعنى أنها ستقلص فرص التعاطي الخلاق ما بين الجانبين، لا سيما إذا انغلق الأفارقة على أنفسهم؟
الشاهد انه رغم عمق الروابط التاريخية بين العرب والأفارقة إلا أن العلاقات والتبادلات التجارية بين الجانبين ظلت ضعيفة إلى حد كبير، والأرقام المتاحة عن نصيب كافة الدول العربية من إجمالي الصادرات الإفريقية ضئيلة للغاية، ولا ترقى إلى المستوى المطلوب.
والشاهد ان هناك أسبابا مختلفة أدت إلى هذا الوضع وفي المقدمة منها الأسباب السياسية، ونحن نعلم أن إفريقيا ظلت حتى وقت قريب ممزقة بين الكتلتين الشرقية والغربية، الأمر الذي خلق مربعات أعداء وهمية بين بعض العرب وبعض الأفارقة، وربما حان الوقت لأن تكون الاتفاقية الجديدة، نقطة انطلاق لتوثيق عرى العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
والمؤكد ان هناك ما يدعم ويزخم هذه الإمكانية، فبداية هناك عدد كبير من الدول العربية الموقعة على الاتفاقية، تحتل مكانا جغرافيا متقدما في القارة الإفريقية، مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا وجزر القمر، وهذه يمكن أن تكون همزة وصل جيدة بين الطرفين. الأمر الآخر هو أن مجالات الصناعة الحديثة والمستحدثة يمكن ان تنشئ أنواعا من الاقتصادات التكاملية بين الجانبين العربي والإفريقي، فعلى سبيل المثال يمكن تحول النفط الإفريقي الخام إلى صناعات بتروكيماوية لدى بعض الدول العربية، كما ان الأراضي القابلة للزراعة والاستصلاح في إفريقيا بدورها فرصة طيبة لإعادة الاعتماد على الذات في توفير الغذاء، وبخاصة القمح تلك السلعة الرئيسية التي لا غنى عنها لأي شعب أو أمة طول الأرض وعرضها.
ولعل الأجواء العولمية الآنية يمكنها ان تخلق لاحقا تكتلا أكبر بين الدول الإفريقية ونظيرتها العربية، ما يعني آفاقا واسعة للتعاون الذي لا بد وأن ينعكس بشكل غير مسبوق إيجابيا على حياة البشر من العرب والأفارقة على حد سواء.