أيزيديات عراقيات رهائن الصراع بين صلة الرحم والانتماء

بغداد-(أ ف ب): أرغمت جيهان، الأيزيدية البالغة 18 عاما، على ترك أطفالها الثلاثة الذين أنجبتهم من زواج تمّ غصبا عنها مع عنصر في تنظيم «داعش» والعودة إلى عائلتها، حتى لا يرذلها مجتمعها وطائفتها.
المعضلة ذاتها تعيشها عشرات النساء والفتيات الأيزيديات اللواتي حملن بأطفال من جهاديين خطفوهن عام 2014 لدى اجتياحهم منطقة سنجار في شمال غرب العراق حيث تعيش فيها غالبية من الطائفة الأيزيدية.
بعد استعادة القوات العراقية السيطرة على المنطقة المنكوبة، والهزيمة التي لحقت أخيرا بتنظيم «داعش» في سوريا، عادت نساء كثيرات كن سبايا إلى عائلاتهن، لكنهن غارقات في اليأس والألم نتيجة جراح لم تندمل بسبب تعرضهن للاغتصاب والتعذيب والزواج القسري على أيدي عناصر في داعش. وكذلك، يعيش عدد كبير منهن صراعا مؤلما نتيجة تخليهن عن أطفالهن، ذرية الجهاديين، المرفوضين بتاتا في المجتمع الأيزيدي المغلق.
وتقول جيهان قاسم، متحدثة عن أطفالها الثلاثة، صبيين وفتاة، في مبنى مهجور في بعدره حيث تعيش اليوم مع عائلتها المهجرة من سنجار، «لم أستطع أن أعيدهم معي إلى البيت، فهم أولاد داعش»، مضيفة «كيف آتي بهم الى هنا، وأشقائي ما زالوا عند داعش؟».
وكانت جيهان في الثالثة عشرة من عمرها عندما خطفها جهاديون لترغم بعد عامين على الزواج من عنصر تونسي في التنظيم المتطرف أنجبت منه ثلاثة أطفال، ثم فرت قبل أربعة أشهر معه برفقة أطفالهم إثر القصف الذي تعرضت له بلدة الباغوز في شرق سوريا والتي شكلت المعقل الأخير للتنظيم قبل انهياره.
وعندما علمت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة أنها أيزيدية نقلتها مع ابنها البكر وعمره عامان وابنتها وعمرها عام واحد وطفلتها الرضيعة، إلى ملجأ لاستقبال الأيزيديين معروف باسم «البيت الإيزيدي» في شمال شرق سوريا.
ونشر «البيت الأيزيدي» صور جيهان على مواقع التواصل الاجتماعي، فتمكن شقيقها الأكبر سامان الذي ما زال متواجدا في شمال العراق من الوصول إلى شقيقته والعودة بها إلى أسرتها.
لكن ثلاثة أشقاء آخرين لجيهان لا يزالون في عداد المفقودين منذ سيطرة الجهاديين عام 2014 على قريتها في شمال العراق.
وعانت جيهان كثيرا قبل اتخاذ قرار العودة، واضطرت إلى ترك أطفالها الرضع مع السلطات الكردية السورية.
وتقول بحسرة «إنهم صغار وكانوا متعلقين بي جداً،… لكنهم يبقون أولاد داعش». وتتابع «اليوم الأول كان صعبا، لكننا ننساهم شيئا فشيئاً»، مشيرة إلى أنها لا تحتفظ بصور لأطفالها ولا تريد أن تتذكرهم.
« لا أحد يسأل عنهم» ويرفض المجتمع الأيزيدي كل امرأة تتزوج من غير أيزيدي، حتى وان كانت مرغمة على ذلك. بالنسبة للفتيات اللواتي خطفهن الجهاديون، أصدر الزعيم الروحي للطائفة الأيزيدية بابا شيخ مرسوما تاريخيا دعا المجتمع إلى استقبال وحضن الناجيات من الاعتداءات الجنسية على أيدي هؤلاء.لكن الأمر لا ينطبق على أطفالهن.
في أبريل، أصدر المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى بيانا غير واضح يرحب بـ«أطفال الناجيات»، ما أثار الأمل في حدوث إصلاح ثانٍ لقبول المولودين من أم أيزيدية وأب من تنظيم «داعش». لكنه أدى إلى ردود فعل عنيفة بين المحافظين الأيزيديين، ما دفع المجلس إلى التوضيح بأن شيئا لم يتغير، وأن الأطفال المولودين من أبوين أيزيديين هم فقط المقبولون ضمن الطائفة.
ويقول الناشط الأيزيدي طلال مراد إن إصلاحا بهذا الشكل كان يمثل فتح أبواب تغيير أمام مجتمع ما زال مصابا بالصدمة.
ويضيف مراد الذي يرأس موقع «أيزيدي 24» المتخصص بشؤون الإيزيدية «إذا حدث مثل هذا التغيير في الدين سيحدث تشتت كامل في الديانة الأيزيدية».
ويقول مدير مكتب المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى علي خدر إن النقاش حول الأطفال لا يتعلق بإصلاح عقائدي فقط.
ويضيف من مقر المجلس في شيخان «الدستور العراقي يمنع هذا الشيء أيضا أي طفل من والد مفقود أو غير موجود يسجّل أوتوماتيكياً كمسلم».
وينص القانون الإسلامي الذي يستند إليه الدستور العراقي، على أن الانتماء الديني للشخص يورث عن الأب. كما يشير خدر إلى تبعات نفسية، لأن المجتمع الأيزيدي لا يمكن أن يتقبل أطفالا من جهاديين خطفوا واغتصبوا بناته.
ويتابع «لدينا حتى الآن ستة آلاف ضحية – فتيات ونساء أيزيديات – بيد «دواعش» ما من أحد يسأل عنهن، فيما يسألون عن أطفال على عدد أصابع اليد».
ولا تتوفر لدى المجلس إحصاءات عن عدد الناجيات الأيزيديات مع أطفال من أباء جهاديين.
«دم ولحم ودموع « وتركت معظم الأمهات الأيزيديات أطفالهن لدى «البيت الأيزيدي» في سوريا. لكن بعضهن أحضرن أطفالهن معهم إلى العراق ورفضن إجراء مقابلات صحفية بسبب حساسية الأمر.
وبعد أن أصرّت إحداهن على أسرتها للقبول بتربية طفلها الرضيع من أب جهادي مفقود، وعمره عام واحد، تخلت عن الفكرة عندما أدركت أنها لن تتمكن من الحصول على وثائق شخصية عراقية له بسبب عدم وجود والده.
ودفعها ذلك إلى التخلي عن طفلها للتبني، حسبما تقول الطبيبة المشرفة على علاجها.
وفي حالة أخرى، وصلت في الربيع الماضي فتاة في الثامنة عشرة من عمرها إلى العراق بعد إطلاق سراحها، وهي حامل في الأشهر الأخيرة من أحد الجهاديين.
وتقول المساعدة الاجتماعية التي تشرف على حالتها، إن الشابة بقيت لأسابيع في منزل آمن دون علم أسرتها حتى أنجبت وأرسلت طفلها إلى مكان بعيد قبل أن تلتحق بأقربائها الذين يعيشون في مخيم للنازحين.
وتقول مديرة شؤون المرأة والطفل في الموصل سكينة يونس إن خمسة أطفال من أمهات أيزيديات وآباء جهاديين وصلوا العام الماضي إلى دار أيتام الموصل.
ومن المرجح أن تكون تبعات التأثير النفسي لهذا الأمر طويلة الأمد. وتبدو جيهان اليوم محطمة.
فقد وصفت أطفالها قبل أسابيع فقط، لأحد كوادر الشؤون الاجتماعية بأنهم «لحمها ودمها»، قائلة إنها تشتاق اليهم.
وبينما كانت تتحدث عن أطفالها بقناعة بضرورة تركهم إلى حد ما، كانت ابتسامة خجولة تعلو وجهها وهي تتذكرهم، وفي لحظة معينة، بدا وكأنها تبكي بصمت عندما ترك شقيقها المكان.
وتقول في تلك اللحظة «لو كان الأمر بيدي، بالتأكيد كنت سأجلبهم معي».
«الإبادة الجماعية مستمرة» ويقول الأيزيديون إن الأحداث التي تعرضوا لها تمثل «إبادة جماعية»، مشيرين الى أنها الحادثة ال74 التي يتعرضون لها خلال تاريخهم. ولا يزال مصير مئات النساء والأطفال والرجال المفقودين مجهولا رغم انهيار «الخلافة» التي أقامها التنظيم في مناطق سيطرته في سوريا والعراق، بعد معركة الباغوز في مارس الماضي.
ولجأ نحو 100 ألف شخص من الأيزيديين، أي قرابة خُمس عدد هذه الجماعة قبل الحرب، إلى دول أجنبية. فيما لا يزال 360 ألف شخص مشردين داخل العراق لأن قراهم ما زالت تحت الأنقاض.
وأصبح قضاء سنجار تحت سيطرة قوات مسلحة موالية للحكومة، تضربه الفيضانات خلال الشتاء والحرائق في موسم الصيف.ويقول خدر إن «الإبادة الجماعية مستمرة». ويلقي بابا شاويش، المشرف على معبد لالش الذي يعد أهم معابد الطائفة الأيزيدية، اللوم على الحكومة المركزية في بغداد.
ويقول «الحكومة الاتحادية في بغداد تعلم جيدا أن آلاف الأيزيديات ما زلن أسيرات، ولم تتخذ لغاية الآن قراراً باعتقال أي شخص يحتفظ بأيزيدية، وهي غير متعاونة معنا». واقترح الرئيس العراقي برهم صالح في أبريل الماضي مشروع قانون لتعويض الأيزيديين وطريقة لتحديد الوضع القانوني للأطفال المولودين من جهاديين، لكن البرلمان لم يناقشه حتى الآن.
ويشعر الأيزيديون بإحباط جراء ما يعتبرونه ضغوطاً عالمية لإجراء الإصلاح الديني واستقبال الأطفال المولودين من آباء جهاديين.
وتجمع شخصيات بارزة في المجتمع على أن الخيار الأمثل لهؤلاء الأطفال وأمهاتهم هو الهجرة إلى أوروبا.
وتقول النائبة السابقة الأيزيدية فيان دخيل إن «الموضوع معقد جداً، والحل الأنسب حاليا موجود خارج العراق. في تصوري، الحل هو هجرة النساء مع أطفالهن إلى أوروبا».
وتقول نغم حسن، طبيبة الأمراض النسائية التي شاركت منذ عام 2014 في علاج عدد كبير من الأيزيديات الناجيات، «حذرت منذ سنوات بأننا سنواجه هذه المشكلة، الآن، أصبح المجتمع الأيزيدي محطما، والجميع يريد أن يرحل» إلى دول أجنبية.