عمل

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

كنت ورفيقاتي نتجاذب أطراف الحديث مع امرأة ألمانية مسنة، حول وظيفتها الشيقة والجميلة في أحد متاحف أوروبا الشهيرة، تعمل المرأة البالغة من العمر 87 عاما في ترميم أو بالأحرى حفظ التحف والآثار، كنت أراقب تعابير وجهها وكيف تلمع عيناها الزرقاوان بشكل ملحوظ وهي تستعرض معنا النوادر التي ساهمت في حفظها للأجيال القادمة، وهي تقاوم رعشة خفيفة لا إرادية من يديها وهي تحاول تمثيل طريقة إعادة الوثيقة الممزقة بدون التأثير على محتوياتها: لا يحق لنا ملء الفراغات في النص حتى لو استطعنا استنتاج تكملة الجملة من سياق الكلام، فنحن لا نعرف ما الذي كان يدور في ذهن الكاتب، ولا نكمل صورة نهر حتى لو بدا واضحا مساره بالنسبة لنا في الخرائط لأننا لا نعرف، لا يجب أن ندلس على الأجيال.
كانت تتحدث بشغف عجيب، أثار دهشتي، فسألتها لا بد أنك تحبين عملك هذا كثيرا حتى تستمرين فيه كل هذه السنين، فابتسمت قائلة: أحبه؟! بل أعشقه، إن أجمل ساعات يومي هي تلك التي أقضيها بين المخطوطات والنوادر هذه، وأنا ممتنة للخالق كون جهة عملي سمحت لي بالاستمرار في العمل، عقبت أنا قائلة: سيتوجب علي ترك عملي قريبا والخروج للتقاعد، فانبرى وجهها عن ابتسامة استنكار واستغراب واضحة، تتقاعدين؟! أنت بدأت عملك للتو فكيف تتقاعدين، شرعت في شرح نظام التقاعد الاجباري في منطقتنا العربية في عمر الستين، فهزت كتفها ولا أظنها صدقتني، فقد استمرت في الحديث عن عملها الساحر الذي ستقضي فيه عدة سنوات أخرى حتى يصبح جسدها غير قادر على الاستمرار، وحسنا فعلت فلم أكن مستعدة لشرح نظام التقاعد، والاستماع لتعليقات هذه الألمانية التي أعرف أنها لن تجاملني.
أثناء عودتي لغرفتي في النزل صادفتني إحدى العاملات التي لاحظت بأنها تعمل منذ الصباح الباكر، فعلقت: يا الهي! مازلت هنا! انه يوم طويل، فابتسمت لي بمرح قائلة دون أن تتوقف عن عملها: ليست كل الأيام هكذا فبعض الأيام يكون العمل فيها خفيفا، كما أن الوضع ليس بهذه الصعوبة، تركتني ومضت تمارس عملها بحب منقطع النظير، وقد تركتني في حيرة، ما الذي يجعل الناس في هذه البلاد يمارسون أعمالهم بكل هذا الحب والتفاني، رغم أنها في نظري أعمال روتينية بسيطة ومملة، ولايفكرون حتى في التقاعد منها؟!