الأيام: إسرائيل عالقة بوحل اليمين

في زاوية آراء كتب رجب أبو سرية مقالا بعنوان: إسرائيل عالقة بوحل اليمين، جاء فيه: منذ أكثر من خمسة عشر عاما، واليمين الإسرائيلي يحكم إسرائيل، بشكل متواصل، وذلك بعد أن نجح أولاً وقبل ذلك في العام 1996 بإحداث المفاجأة بالفوز بأول انتخابات تجري في ظل نظام انتخاب رئيس الحكومة بشكل مباشر، إلى جانب انتخاب أعضاء الكنيست، حيث فاز حينها بنيامين نتانياهو برئاسة الحكومة متفوقا على شمعون بيريس، وكانت تلك أول مرة يجلس فيها الرجل اليميني على مقعد رئيس الحكومة، الذي غادره بعد ذلك بنحو ثلاثة أعوام، ثم عاد إليه بعد عدة سنوات. باستثناء مدة ثلاث سنوات، تولى فيها «اليساري الصقري» إيهود باراك مقاليد الحكم عامي 1999 و2001، فإن حزب العمل لم يذق طعم الفوز بتشكيل الحكومة، ومنذ ذلك الوقت، كان خلال تلك الفترة، الحزب الذي أسس دولة إسرائيل، يتآكل، لدرجة أنه بالكاد حصل على ستة مقاعد في الانتخابات الأخيرة التي جرت في التاسع من أبريل الماضي. ومن الواضح أن اليمين الإسرائيلي، قد استرخى خلال السنوات الطويلة الماضية التي قضاها في الحكم، وهو تدحرج من دائرة الوسط التي حاول الليكودي السابق أرئيل شارون ترسيخها حين شكل حكومة بالشراكة ما بين الليكود والعمل، ثم حين أسس حزب كاديما من كوادر وقيادات الحزبين، بهدف الوصول إلى «استقرار» حزبي، سياسي داخلي في إسرائيل، إلا أن الأمور لم تسر بهذا الاتجاه بعد رحيله، حيث سرعان ما عاد الليكود وانقض على الحكومة بقيادة بنيامين نتانياهو نفسه، الذي كان خلال حقبة شارون وكاديما (إيهود أولمرت وتسيبي ليفني) قد تقاعد عن العمل السياسي. وبالتدريج ترسخ اليمين، وذلك شجع على ظهور يمين جديد على يمين اليمين التقليدي، أي يمين متطرف سياسياً واجتماعياً، حين ظهر أولا إلى جانب الليكود حزب المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، أي حزب إسرائيل بيتينو بزعامة أفيغدور ليبرمان، ومن ثم تاليا حزب البيت اليهودي بزعامة نفتالي بينيت ممثلاً للمستوطنين على أرض الضفة الغربية والقدس، إلى جانب الأحزاب الدينية الحليف التقليدي لليكود واليمين الإسرائيلي. كان من نتائج ذلك أن أغلقت إسرائيل كل الأبواب في وجه التوصل إلى حل وسط سياسي مع الجانب الفلسطيني، وفي نفس الوقت ذهاب إسرائيل لتكون دولة دينية وتقويض ما قامت عليه من نظام علماني، إلى أن وصلت الأمور إلى إقرار قانون هوية الدولة، حين حاول اليمين المتطرف أن يقنن بشكل نهائي الهزيمة السياسية التي وقع فيها اليسار العلماني خلال تلك السنوات التي كان فيها اليمين على الجانب الآخر يكرس قيم اليمين وينقلها من حقل السياسة إلى حيز الواقع والمجتمع. لم يكن إذا، لا الشعب الفلسطيني بحقوقه التاريخية ولا الجماعات العرقية من العرب هم ضحايا هذا التحول اليميني المتواصل في الواقع السياسي الإسرائيلي، بل مس الأمر بالعلمانيين من اليساريين أولا ثم بالعلمانيين من اليمين وحتى اليهود السوفييت أو اليهود الأفارقة، أي الفلاشا، لذا فإن دائرة الخصومة مع اليمين الإسرائيلي بقدر ما كان يحققه من نجاحات كانت تتسع. صحيح أن اليمين نجح حتى في الانتخابات الأخيرة بالفوز بالأغلبية النيابية، لكنه فشل في تشكيل الحكومة ولو ليوم واحد، وهو قبل ذلك كان قد فشل في تجنب تبكير موعد الانتخابات، وفي انتخابات الكنيست العشرين، فاز دون حزب ليبرمان بأغلبية مقعد واحد، لذا شكّل الحكومة دونه، وأجبره بعد مرور عام على الالتحاق بالحكومة، إلى أن انسحب منها، ورغم ذلك فإن الذي أسقط الحكومة وبكّر موعد انتخابات الكنيست الحادي والعشرين كان قانون التجنيد. أما أن يفشل اليمين، واليسار في أسوأ حال، أي في ظل فوز العمل وميرتس فقط بعشرة مقاعد في الكنيست الحادي والعشرين، فيعني أن اليمين قد بات عالقاً بتبعات فوزه وجلوسه على مقعد الحكم طوال سنوات عديدة متواصلة. وحيث إن استطلاعات الرأي ما زالت تشير إلى أن نتائج الانتخابات القادمة لن تتغير عن التي جرت في أبريل الماضي، فإن ذلك يعني شيئا واحدا وهو أن إسرائيل بأسرها قد باتت عالقة بوحل اليمين، وبما أحدثه من «تحول مجتمعي» في إسرائيل خلال فترة حكمه الطويلة، ليس ذلك وحسب، بل إنه كرّس خيار عنصرية وطائفية الدولة، وأبعد عنها كثيرا أفق السلام. هذا الواقع بتداعياته بدأ في إحياء النخبة السياسية اليسارية والعلمانية، حيث أولا وقف ليبرمان ضد التحول بالدولة للوجهة الدينية، ثم ها هو اليسار يقوم بلملمة صفوفه، حيث كانت الضربة الأخيرة بمثابة جرس الإنذار، ومن ثم بدأ الحراك المجتمعي، حيث اندلعت تظاهرات الفلاشا، الذين يشكلون نحو 5% من تعداد الناخبين. عودة كل من عمير بيرتس لرئاسة حزب العمل وشروعه في تحشيد صفوف البديل الانتخابي من خلال محاولة تشكيل قائمة انتخابية مع أيهود باراك وتسيبي ليفني، من جهة. ومن جهة ثانية بالتحالف الكبير من حزب أزرق-أبيض، ثم تحديد الشعار الانتخابي المتمثل بمنع دخول العنصريين، في إشارة لحزب القوة اليهودية المنحدر من عباءة كاخ كاهانا، كل ذلك يبدو محاولة لإخراج إسرائيل من وحل اليمين. شهران حاسمان لكنهما كافيان لإحداث الانقلاب داخل إسرائيل، ما دام الجانب الفلسطيني ما زال صامداً في وجه الحرب اليمينية الشرسة، وفي ظل توحد العرب من مواطني إسرائيل في قائمة واحدة، ما يعني أن إسرائيل أمام أحد خيارين لا ثالث لهما، إما البقاء عالقة هكذا في أزمة سياسية طاحنة، تضعها في خانة الشلل السياسي، أو التحول والخروج من حقبة اليمين النتانياهووي، والعودة إلى محاولة التوصل للحل السياسي الخارجي مع فلسطين والداخلي بالعودة إلى نظام الدولة المدنية العلمانية، ونزع ما علق بها من تشوهات عنصرية خلال فترة حكم بنيامين نتانياهو، الذي صار مع مرور الوقت أقرب لأن يكون حاكما شرقيا مستبدا فاسدا.