«بيت المراح».. روعة الهندسة المعمارية تحت ظلال جبل الحوراء

باعتبـاره مـن أقـدم الحصـون العمـانـية –
كتب: عزان البادي –

يقال عن ولاية ينقل إنها اسم على مسمى، حيث كان فعلا التنقل والانتقال، فقد سميت بذلك نسبة إلى مرور قوافل المسافرين والتجار عبرها إلى محافظة الباطنة، حيث تعد حلقة وصل بين العديد من المناطق والمحافظات من داخل السلطنة إلى سواحل الباطنة الغنية بمواردها المتعددة والمتنوعة، وذلك لكونها مدينة ساحلية يرقد بجانبها البحر وكذلك الجبال والمساحات الزراعية.
ومما لا شك فيه أن موقعها المتميز جعلها محط أطماع الكثيرين ممن حاولوا الاستيلاء عليها، والتحكم في مرور البضائع والتجارة وفرض الرسوم على الداخلين والخارجين منها وإليها.
فعمد أهلها الى البحث والتفكير في حلول تحميها من الأطماع الخارجية التي طمحت إلى إحكام السيطرة على المناطق الاستراتيجية التي كان لها دور فعال في حركة التجارة باعتبارها مصدر رزق للإنسان في قديم الزمان إلى جانب الزراعة.

فكان من بين الأفكار التي خطرت على بالهم بناء حصن يتحصنون به أوقات الأزمات والحروب التي تلم بالولاية من كل حدب وصوب طمعا في السرقة والنهب والانقضاض على خيراتها وموروثاتها، فقام العمانيون ببناء حصن «بيت المراح» الذي تحيط به الجبال من كل الجهات، حيث يشترك معها في لونها الجميل، البني الفاتح المائل إلى الأحمر، وفي عظمة ارتفاعها وعلو منزلتها وهيبة شموخها، ويتوسط المزارع والمساحات الخضراء لتضفي عليه رونقا جميلا يجذب الزوار إليه.
ويدرك الزائر للحصن من الوهلة الأولى حسن التخطيط الذي كان عليه الناس في تلك الفترة، وبفضل تمركزه بجانب وادي ينقل التي تتجمع فيه أغلب أودية الولاية وبجانب جبل الحوراء، ظلله ذلك بأروقة ظلال جبل الحوراء، أما روعة هندسته المعمارية فهي واضحة وضوح الشمس في منتصف الظهيرة.
ويبدو شكل الحصن مستطيلا بشكل منحرف تحيط به الأسوار من جميع جهاته، وتجاوره سبلة الزامة التي كان لها دورها المنشود في ممارسة أهالي الولاية لطقوس وعادات منها إقامة (البرزة) لمناقشة أحوال الجماعة والأهالي والنوازل التي تعتريهم. ويتكون الحصن من سبعة أبراج خارجية عند الزوايا، جميعها مستديرة الشكل إلا البرج الذي يتوسط الجدار الجنوبي الغربي عند الزاوية الجنوبية الغربية للحصن، فلقد بني على شكل مستطيل لكي يسمح للمدافعين برمي المهاجمين عند المدخل، كما يبلغ ارتفاع الأسوار ثمانية أمتار.
ويطل علينا الحصن ببوابة كبيرة تفتح على دفتين، مصنوعة من الخشب الثقيل، وتعلوها حلقات دائرية ونجمات حديدية، مشكلة لوحة فنية إبداعية تسمى محليا (بوابة الصباح)، وهي البوابة الوحيدة التي تفتح في اتجاه الغرب. ثم يقابلنا فناء الساحة التي تتوسطه شجرة خضراء عملاقة وارفة الظلال، كان لها دور كبير في الحصن باعتبارها محطة راحة واستجمام، وتبادل للأخبار والترويح عن النفس من جراء مشقة السفر للقادمين والمغادرين، متخذين منها مكانا لكي يبيعون ويشترون.
وإضافة إلى ذلك يوجد في الحصن مسجد جميل يحتوي على ساحة صغيرة لتأدية الصلاة وغرفة تسمى البرادة لتلاوة وتحفيظ القرآن الكريم، كما يوجد ممر صغير يؤدي إلى فلج العين يغتسل منه الناس قبل تأدية الصلاة.
يلي المسجد، البيت العود الذي يضم بين جنباته مقر الشيخ المسؤول وحاشيته، ويحتوي على عدة غرف أرضية تتوسطها بناية شامخة ذات ثلاثة طوابق تسمى بغرفة المنيظرة. كما يوجد أيضا ما يسمى بالبيت الشرقي الذي يقع بالجهة الجنوبية للصرح وهو بيت كبير ذو طابقين يحتوي على العديد من الغرف الأرضية والعلوية، ويسكنه أحد أفراد عائلة الشيخ المقربين منزلة منه.
يضم كذلك بيت المراح والذي سمي الحصن نسبة إليه لأهميته البالغة وهندسته الرائعة وجودة ودقة تصميمه، حيث يمتاز بموقعه الاستراتيجي في الجهة الشرقية للصرح وله باب شبيه بباب الصباح وله أيضا نفس الخاصيات الدفاعية ومحصن ضد المخاطر المحدقة به من كل اتجاه، وبه ممر تعلوه غرفة كبيرة، كما أن حجم الباب لا يقل كثيرا عن باب الصباح، ومن أول نظرة يشعر الزائر أن لهذا البيت خاصية وأهمية متميزة في هذا الحصن.
كما يقع في الجهة الشمالية للحصن «بيت البصرة» وهو بيت جميل يعرف من خلاله أصالة وعراقة تصميم البيت العماني القديم وزخرفته المتناهية الدقة، وجودة العمران المرصع بالنقوش والزخارف العمانية والأجنبية ويوحي للزائر بنمط العيش في تلك الحقبة من التاريخ، وعادات وتقاليد المجتمع السائدة في ذلك العصر كما يضم كذلك غرف العسكر الذين يقومون بحماية الحصن من الطامعين في احتلاله والظفر بمكنوناته، وهي التي تلي بيت البصرة وهي عبارة عن مكان صغير به عدد من الغرف يسكنها العسكر والحرس ويقع على شمال الممر المكشوف الذي يلي باب الصباح، وموقعه الاستراتيجي يسمح بمراقبة حركة الدخول والخروج من والى الحصن.
حصن بيت المراح يعد من أبرز الآثار الثقافية التي خلفوها الأجداد لنا، وكان له دور بارز في حل النزاعات والمشاكل التي تعترض الأهالي والناس في مختلف الفترات. بنى الحصن من الطين والحصى وسعف النخيل حيث يتكون من غرف للحراس والشيخ وحراس الشيخ ومصلى وغرفة لاستقبال الضيوف، حيث يبرز دور الحصن من خلال كونه أحد أهم الدفاعات عن الولاية التي يحتمي به أهل الولاية، لأنه يتوسط البلاد بموقعه المتميز وتحده الجبال والأشجار من جميع الاتجاهات.
كما توجد آثار أعلى جبل الخطيم عبارة عن بيوت من الحجر والطين على شكل أسطواني كان الناس يستخدموها للمسكن والراحة وللأمن بعيدا عن الأعداء بسبب وجودها أعلى الجبل الذي يصعب الوصول إليه بسهولة.
حيث إن الحصن لا يبعد عن سوق ينقل القديم الذي يحتوي على محلات قائمة على الطين والخشب وسعف وجذوع النخيل منتشرة في مكان واحد في شكل موحد وصيغة مماثلة في خط لتضيف جمالية التنظيم والتنسيق وتبين الفكر الذي يتمتع به الإنسان العماني منذ قديم الأزل، حيث يباع فيه جميع المنسوجات الجلدية التي تنسج من جلود الحيوانات، والمصنوعات الفخارية التي تصنع من الفخار؛ والمصوغات النحاسية والمعدنية وجميع المنتوجات الزراعية المحلية كالفواكه والخضروات والحمضيات التي توجد في البلاد أو التي تستورد من محافظات ودول أخرى.