الأمكنة والحكايات والسياحة

يقال إن لكل مكان حكاية، بل إن التاريخ الإنساني هو ما ترويه سيرة الأمكنة والناس الذين عاشوا فيها عبر الحكايات التي نسجوها في الأرض.
لهذا فإن القصص البشرية المروية تظل تعكس تصورات الناس حول أماكنهم وحياتهم وهي تعرفنا بمنظورهم للحياة والمعاني الإنسانية وكل شيء يتعلق بالحياة تقريبًا.
مناسبة هذا التقديم يتعلق بالمسابقة التي أعلن عنها مجلس البحث العلمي، ممثلًا في البرنامج الاستراتيجي للتراث الثقافي العماني، بالتعاون مع وزارة السياحة، التي أطلق عليها «منافسة بحثية في مشروع الحكايات والأساطير العمانية المرتبطة بالأمكنة»، وتستهدف الباحثين والجامعات والكليات والمراكز العلمية.
مما لا شك فيه أن هذا الأسلوب العلمي والرائع يُصوّر لنا رغبة أكيدة في تعيين فضاءات جديدة لربط الواقع الاجتماعي والتاريخ والتراث بالمعاني المنشودة للتطور والنماء الشامل، سواء على الأصعدة الاقتصادية عامة أو السياحية وقبل ذلك حفز المعارف والثقافة بشكل عام.
إن جمع وتوثيق الحكايات والأساطير العمانية المرتبطة بالأمكنة، يمكن لهذا المشروع أن يحمل جملة من الدلالات التي يتوقف عندها المرء، بيد أن ثمة أمورًا جلية في هذا الإطار لعل أبرزها التفكير المستقبلي الذي يعني دمج الأمس بوعي الراهن، لأجل التقدم المستدام.
وهو تفكير مستقبلي ومنهجي، لكنه قائم في الأساس على جوهر فلسفة المشروع العُماني للدولة الحديثة، حيث كان دائمًا هناك اهتمام بفكر النهضة التي تعني هذا التمازج والتوازن بين قيم الأمس والراهن، بما يشكل المعاني الحديثة أو الجديدة، باعتبار أن أي مجتمع بشري هو عبارة عن حلقات متصلة بين الأمس والحاضر باتجاه المستقبل.
إن ربط المعارف الإنسانية في حزمة واحدة متصلة من القيم والأهداف هو تفكير حداثي يشير إلى أن صيرورة الكائن البشري تقوم على وعي متصل بالماضي مرورًا باللحظة الراهنة، وأن تشكيل الحياة المستقبلية يرتهن بكيفية معرفة التاريخ، من نحن بالضبط من خلال تراثنا وحكايتنا؟ وإلى أين نتجه في حاضرنا بتوظيف كل ذلك؟
الإجابة على مثل هذه الأسئلة ليست عشوائية أو اعتباطية فهي دقيقة جدًا يلزمها البحث والتقصي والعمل الجاد، والإيمان بالمشروع نفسه في المقام الأول، ومن ثم اليقين التام بأن الثمرة سوف تكون ذات فائدة كبيرة على مستوى تطوير قطاعات متعددة من الحياة الإنسانية في البلاد.
لقد تطورت البُنى المعرفية في العالم المعاصر، وبات من الذكاء الانتباه للكثير من القيم المتوارثة والتقاليد والجذور في تشذيبها ورونقتها لكي تقودنا إلى الجديد والمثمر، وهذا يقوم على وقفات وقراءات غير تقليدية وفي الوقت نفسه لابد من التقاطع مع المعارف والتصورات العصرية والجديدة ومناهج البحث الأكثر حداثة، حتى يمكن الوصول إلى نتائج مميزة ولها قدرة على المساهمة في بنى الحياة الأخرى.
سيظل السؤال وإن تعلق بتفعيل الحكايات والأساطير في الجانب السياحي والثقافي إلا أنه يمكن توسيعه لأكبر من ذلك، في كيفية إنشاء معرفة شبكية ومتسعة المرامي، تقودنا إلى رؤى غير مسبوقة في كيفية ابتكار العديد من المعاني الوليدة للمكان، سيرته وحكاياته وإنسانه.