نحو آفاق واعدة للمستقبل الاقتصادي

د. الطيب الصادق –

برغم ما تعانيه دول المنطقة وخصوصا الدول النفطية ومن بينها سلطنة عمان من وضع اقتصادي جراء انخفاض أسعار النفط العالمية لكن آفاق الاقتصاد العماني خلال العقدين المقبلين واعدة وستكون ترجمة حقيقية للخطط الاستراتيجية والقرارات التي تم اتخاذها خلال الفترة الحالية وتطورها بتطور الظروف الأمر الذي يجعلها تتكيف وتتطور وفق متغيرات كل مرحلة مما يجعل السلطنة قادرة على مواجهة التحديات المختلفة وتطبيق استراتيجيتها على أكمل وجه.

التوقعات تشير إلى أن السلطنة ستنجح في تحقيق سياستها الاقتصادية التي حددتها وفق «الرؤية المستقبلية عمان 2040 » والتي تعد استراتيجية للتنمية طويلة الأمد وتهدف إلى تنويع الاقتصاد للقطاعات غير النفطية وتطوير بيئة سوق العمل والتشغيل وتتيح للقطاع الخاص الأخذ بزمام المبادرة لقيادة اقتصاد وطني تنافسي وشراكة فاعلة، كما أن هذه الرؤية تحمل الكثير من الآمال والطموحات التي بتحققها سوف تنقل عُمان إلى مصاف الدول المتقدمة في العديد من المجالات وتجعل للاقتصاد العُماني دورا مأمولا على خارطة الاقتصاد العالمي خلال العقدين المقبلين وما بعدهما، ويتم كل ذلك بالاستفادة القصوى من الموقع الجغرافي الفريد الذي تتميز به السلطنة كونه في قلب طريق التجارة العالمي منذ القدم ومن الموارد الطبيعية التي حاباها الله للسلطنة فضلا عن الإدارة الحكيمة التي توظف جميع الإمكانيات المتاحة لتحقيق أهداف هذه الرؤية والسير إلى النمو الاقتصادي بشكل سريع.
التوجه الاقتصادي للسلطنة لم يكن وليد السنوات القليلة الماضية بل كان مخططا من قبل وعلى مدار عقود عصر النهضة المباركة، حيث حسمت البلاد توجهها الاقتصادي وعملت على تحقيق الاستفادة القصوى من العوائد النفطية ووضعت برنامجا للتنويع الاقتصادي لعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل بعدما تدنّت أسعاره، الأمر الذي أثّر بالسلب في اقتصاد البلاد، إضافة إلى ذلك العمل على خلق قيمة مضافة لما تملكه السلطنة من ثروات طبيعية والاستفادة منها مما يؤكد على أن الاقتصاد العماني سيشهد نهضة وأفاقا كبيرة خلال الفترة المقبلة.
ومن هنا يمكن الإشارة إلى الإرادة السياسية للقائمين على شؤون البلاد، حيث تساند التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- هذه الرؤية المستقبلية للسلطنة خلال العقدين المقبلين وتخدم أهدافها وتعمل على تعزيز برنامج التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات الغير نفطية ومن ضمن هذه الجهود الرامية لتحقيق رؤية 2040 تم مؤخرا إصدار خمسة مراسيم قضت بإصدار أربعة قوانين تشمل مجالات: استثمار رأس المال الأجنبي، والتخصيص، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والإفلاس، وقضى المرسوم السلطاني الخامس بإنشاء الهيئة العامة للتخصيص والشراكة، وكل هذه القوانين تساهم في نقل الاقتصاد العماني إلى آفاق مستقبلية، وتؤكد على تمهيد الطريق وتحسين المناخ الاستثماري وتشجيع المستثمرين ودعمهم بكل الوسائل، ولذلك فمن المؤكد أن يستفيد الاقتصاد العماني من هذه القرارات كما أن هناك توقعات تشير إلى أن حجم الاقتصاد العالمي سيزداد إلى أكثر من الضعف خلال الأعوام القادمة، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على الاقتصاد العماني بالإيجاب وتستفيد منه سلطنة عُمان في الوقت الذي تعمل فيه السلطنة على تحقيق نموٍ متوازن ومُستدام، مع التوقّعات الإيجابية للبنك الدولي حول النمو الاقتصادي للسلطنة وتحقيق انتعاش في السنوات القليلة المقبلة.
ولو نظرنا سريعا للقطاعات التي تسهم في مستقبل الاقتصاد العماني سنجدها تتمثل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وقطاع الصناعات التحويلية، وقطاع السياحة، وقطاعي التعدين والثروة السمكية فضلا عن قطاع الطاقة وخصوصا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وقطاع ريادة الأعمال وقطاع تقنية المعلومات، ومؤشرات جميع هذه القطاعات مبشرة كما يعتبر الاستثمار في الموارد البشرية من أهم المقومات التي تعتمد عليها الرؤية المستقبلية ٢٠٤٠ حيث يعد المورد البشري العامل الرئيسي في الموارد الاستثمارية، ولذلك فإن السلطنة تولي أهمية كبيرة لإعداد وبناء القيادات خصوصا الشبابية في جميع المجالات والقطاعات سواء الحكومية أو الخاصة وتشجيع المبتكرين والمبدعين وتمكينهم الأمر الذي يساهم في نهضة الوطن وتنفيذ المشاريع بأسلوب مبتكر كما تعمل السلطنة على أصقال مهاراتهم ليتحلّى الفرد بمهارات متنوعة منها حل المشكلات المعقدة والتنسيق مع الآخرين وإدارة الأفراد ومهارات التفكير والتفاوض وتوجيه الخدمات والحكم واتخاذ القرارات والإبداع والذكاء العاطفي والمرونة المعرفية، وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من تجربة الهند في تشجيع المبتكرين الشباب، حيث يوجد بها أكثر من 4 ملايين شاب هندي ينتجون برامج وابتكارات، ومئات الآلاف يعملون في أكبر شركات المحتوى العالمية وغيرها وهو نموذج ناجح للاستفادة من الشباب وحتى في المراحل الجامعية في فترة الإجازات لأن الشباب هم قادة المستقبل وفتح الطرق أمامهم ودعمهم وإتاحة الفرصة لهم أصبح ضرورة ملحة على الدولة، لأن العنصر البشري يعد أهم عامل من عوامل النجاح وهو ما أثبتته جميع تجارب الدول السابقة.
وبرغم ما تعانيه دول المنطقة وخصوصا الدول النفطية ومن بينها سلطنة عمان من وضع اقتصادي جراء انخفاض أسعار النفط العالمية لكن آفاق الاقتصاد العماني خلال العقدين المقبلين واعدة وستكون ترجمة حقيقية للخطط الاستراتيجية والقرارات التي تم اتخاذها خلال الفترة الحالية وتطورها بتطور الظروف الأمر الذي يجعلها تتكيف وتتطور وفق متغيرات كل مرحلة مما يجعل السلطنة قادرة على مواجهة التحديات المختلفة وتطبيق استراتيجيتها على أكمل وجه، لذلك لا نستطيع أن نقول: إن الطريق ممهد بالورود لتحقيق هذه الرؤية وأن الاقتصاد لم يواجه تحديات، بل هناك العديد من التحديات التي يجب أن تضعها الإدارة الاقتصادية في حسبانها وتواجهها بكل قوة لكي تنجح الرؤية المستقبلية وتحقق أهدافها والرخاء للمجتمع، وكما يقال إنه لابد من توقع السيناريو الأسوأ لتجنب المخاطر، حيث تتضمن بعض هذه التحديات تقلبات أسعار النفط التي ستؤثر بشكل كبير على الموارد الاقتصادية لذلك يجب أن نعترف أن النفط لا يزال المورد الأساسي للموازنة العامة للسلطنة وربما سيستمر موردا مهما خلال السنوات الخمس المقبلة لكن يجب سرعة تعجيل وتنفيذ برنامج التنويع الاقتصادي والاعتماد على موارد اقتصادية أخرى للتقليل وتجنب خطورة هذا التحدي وهو ما تعمل عليه السلطنة منذ سنوات ونجحت في الخطوات السابقة التي اتخذتها في هذا الإطار، وتستكمل حاليا هذه المنظومة التي تعد من أهم الإجراءات التي اتخذتها السلطنة لنهضة الاقتصاد وإنعاشه، كما يتضمن التحدي الآخر في تأثير حالة الركود المتوقع أن تشهدها الأسواق العالمية وضعف حركة التجارة العالمية في حالة استمرار الحروب التجارية والتوترات السياسية والذي بدوره يؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد العماني وعمليات التصدير والتجارة لارتباط السلطنة بالسوق العالمي بشكل مباشر في ظل منظومة عالمية.
وهذا التحدي ربما يمكن التغلب عليه من خلال فتح أسواق جديدة في دول مختلفة وخصوصا بعد فتح طريق الحرير أمام التجارة العالمية ما سيقلل من تأثير هذا التحدي، كما أن توقعات صندوق النقد بانتعاش النمو الاقتصادي العالمي في الفترة المقبلة وتوقف الحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد حلفائها التاريخيين الصين وأوروبا والمكسيك نتيجة لانعكاس هذه الحرب على أمريكا نفسها فضلا عن إخماد الحروب التي تواجهها دول المنطقة وإيقافها والتوصل لحلول سياسية خلال الفترة المقبلة، سينعكس بالإيجاب على دول المنطقة بشكل عام وينهض بالتجارة البينية بينهم وينعش بالتالي العمليات التجارية بالسلطنة وخصوصا عمليات التصدير، فضلا عن مواجهة السلطنة تحديات التطور التكنولوجي والابتكار والإبداع ومواكبة التطورات العالمية وخصوصا الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي وهو ما وضعته السلطنة في اعتبارها وفق «الرؤية المستقبلية 2040».