عطر : سأفعل عندما تموت أمي

رنـــــدة صـــادق –

سأفعل
عندما تموت أمي
هذه الحكاية، ليست قصة ولا تملك أي من أركانها أو غايتها هي موقف عايشته بحكم المصادفة وسأشارككم فيه لأنه لامسني وعَلّم على جدار قلبي: «في أحد الصالونات، سمعت فتاتين عشرينيتين تتحدثان مع بعضهما البعض، وتتمازحان فقالت إحداهما للأخرى: ما هذه الملابس الضيقة التي ترتدينها وأنتِ محجبة اخلعي حجابك أنسب لك!
فردت عليها: سأفعل بعد أن تموت أمي، وضحكتا وكأنها قالت أعظم فكاهة توصلت إليها البشرية. تكلمتا دون أن تفكرا للحظة ببشاعة الحوار وتأثيره على من يسمعهما،خاصة أن القدر شاء أن أراهما وأسمعهما وأكون الشاهد الذي لم يصمت عن كلامهما.
استفزني ما قالته، وبادرت موجهة كلامي لها: هل تعلمين ماذا قلت في سري بعد أن سمعتك؟
قالت: لا، ماذا ؟
قلت:الله لا يسمع منك» .
صدمتها كلماتي وراحت تبرر: أنت لا تعلمين ماذا فعلت، بي تركتني وأنا صغيرة ؟»
الأمهات يتركن أولادهن، هذا يحدث في كل يوم ولعله في كل ساعة،وطبعا هناك من لا يملكن أدنى مقومات الأمومة، وهذا من القبح بمكان، ولكنه مع هذا لا يبيح أن تطلب الابنة الموت لأمها،مهما كانت دوافعها ومعاناتها. صدمتني الفتاة بسبب أمرين وردا في كلامها ،الأول رغبتها في نزع الحجاب، والثاني ربط ذلك بخروج أمها من دائرة الحياة.
حتما هي موجوعة من أمها، ولعل علاقتهما لم تكن علاقة مثمرة ،ولكن، هل يحق لأي انسان أن يحاكم الآخر لأن اختياراته لم تكن مسالمة ونمطية ولم تخضع لقانون الأعراف الاجتماعية ؟
نعم الأصل بالأم أن تنتصر لأمومتها، ومع هذا كيف بالإمكان أن تمنح امرأة مدمرة عاطفيا ومطعونة بكينونتها الحب والأمان والسلام لأطفالها ؟
الأمر مفتوح لاختيارات إنسانية موجودة وعديدة ولا تمت للخطيئة بصلة .
نعم من الأفضل أن تتمكن الأم من ترميم حياتها لتبقى مع أطفالها،ولكن لماذا تهاجم ويصدر عليها حكما تحت ذريعة التخلي عن أبنائها، وتعامل وكأنها اقترفت جرما؟ وهي لم تقترف حتى جنحة، يا سادة كأقصى تقدير لم تتمكن من تبني وجهة نظركم وبإمكاننا مقاربة الأمر بهذا المثل : ان وجد رجلان بوزن واحد وبنفس العمر والطول،هل تظنان أنهما متساويان في القوة الجسدية أومتشابهان في الخصائص النفسية وفي ردات فعلهما ؟ طبعا لا إذا، لا يملك الجميع نفس القدرة وهذا يعود إلى اختلاف الظروف والخلفية الاجتماعية والنفسية ؟
الخياران متاحان ومصونان حكما بالقانون والدين ، وما دون ذلك ثرثرة اجتماعية يساهم فيها الآخرون .
لو تربت هذه الفتاة في مجتمع لم يحاكم الأم لاختيارها الانفصال عن زوجها، ولم يصدر حكما عليها مضخما ويصفها بالأم السيئة وتم التوضيح لها، أن الطلاق يحدث، وهذا لا يعني أن أمك خانت حبها لك ولكن الظروف فرضت عليها هذا الاختيار حتما كانت هذه الفتاة اليوم تتعامل مع اختيار أمها بطريقة أفضل وأقل حقدا .
هناك أمر مهم نغفل عنه جميعا،حين يتعلق بترك أي أم لأبنائها لأننا نحاكمها،مع أن الشرع أعطاها الحضانة لفترة محددة من عمر الولد وليس للأبد ولم يطلب منها أن تعيش تعيسة بزواج فاشل.
الطلاق يحدث غالبا ليس لأن الأم سيئة أو الأب سيئ، بل يحدث لأن العلاقة سيئة ويجب التخلص من تأثيراتها المدمرة على نفسية الأبناء. لا أحد يحق له أن يصدر حكما مبرما على الآخر،ولا أن يلعب دور القاضي والجلاد فمن الصعب أن نفهم جميعا كيف تم اتخاذ ذلك القرار.. وتبقى لكل حكاية وجهة نظر أخرى تُقرأ من الزاوية المقابلة للمشهد ..

randanw@hotmail.com